تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التعلم : فصل : واعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها ، ومداخل تفضي إلى حقائقها .

فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها ، وبمداخلها لتفضي إلى حقائقها .

ولا يطلب الآخر قبل الأول ، ولا الحقيقة قبل المدخل .

فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة ؛ لأن البناء على غير أس لا يبنى ، والثمر من غير غرس لا يجنى .

ولذلك أسباب فاسدة ودواع واهية .

فمنها : أن يكون في النفس أغراض تختص بنوع من العلم فيدعو الغرض إلى قصد ذلك النوع ويعدل عن مقدماته ، كرجل يؤثر القضاء ويتصدى للحكم فيقصد من علم الفقه أدب القاضي وما يتعلق به من الدعوى والبينات ، أو يحب الاتسام بالشهادة فيتعلم كتاب الشهادات فيصير موسوما بجهل ما يعاني .

فإذا أدرك ذلك ظن أنه قد حاز من العلم جمهوره ، وأدرك منه مشهوره ، ولم ير ما بقي منه إلا غامضا طلبه عناء ، وغويصا استخراجه فناء ؛ لقصور همته على ما أدرك ، وانصرافها عما ترك .

ولو نصح نفسه لعلم أن ما ترك أهم مما أدرك ؛ لأن بعض العلم مرتبط ببعض ، ولكل باب منه تعلق بما قبله فلا تقوم الأواخر إلا بأوائلها .

وقد يصح قيام الأوائل بأنفسها فيصير طلب الأواخر بترك الأوائل تركا للأوائل والأواخر فإذن ليس يعرى من لوم وإن كان تارك الآخر ألوم .

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٤٧