ومنها : أن يحب الاشتهار بالعلم إما لتكسب أو لتجمل فيقصد من العلم ما اشتهر من مسائل الجدل وطريق النظر .
ويتعاطى علم ما اختلف فيه دون ما اتفق عليه ؛ ليناظر على الخلاف وهو لا يعرف الوفاق ، ويجادل الخصوم وهو لا يعرف مذهبا مخصوصا .
ولقد رأيت من هذه الطبقة عددا قد تحققوا بالعلم تحقق المتكلفين ، واشتهروا به اشتهار المتبحرين .
إذا أخذوا في مناظرة الخصوم ظهر كلامهم ، وإذا سئلوا عن واضح مذهبهم ضلت أفهامهم ، حتى إنهم ليخبطون في الجواب خبط عشواء فلا يظهر لهم صواب ، ولا يتقرر لهم جواب .
ولا يرون ذلك نقصا إذا نمقوا في المجالس كلاما موصوفا ، ولفقوا على المخالف حجابا مألوفا .
وقد جهلوا من المذاهب ما يعلم المبتدئ ويتداوله الناشئ .
فهم دائما في لغط مضل ، أو غلط مذل ورأيت قوما منهم يرون الاشتغال بالمذاهب تكلفا ، والاستكثار منه تخلفا .
وحاجني بعضهم عليه فقال : لأن علم حافظ المذاهب مستور ، وعلم المناظر عليه مشهور .
فقلت : فكيف يكون علم حافظ المذهب مستورا وهو سريع عليه الجواب ، كثير الصواب ؟ فقال : لأنه إن لم يسأل سكت فلم يعرف ، والمناظر إن لم يسأل سائل يعرف .
فقلت : أليس إذا سئل الحافظ فأصاب بان فضله ؟ قال : نعم .
قلت : أفليس إذا سئل المناظر فأخطأ بان نقصه ، وقد قيل : عند الامتحان يكرم المرء أو يهان ؟ فأمسك عن جوابي ؛ لأنه إن أنكر كابر المعقول ، ولو اعترف لزمته الحجة .
والإمساك إذعان والسكوت رضى ، وأن ينقاد إلى الحق أولى من أن