مضت أبواب تضمنت فصولا رأيت إتباعها بما لم أحب الإخلال به .
فمن ذلك حال الإنسان في مأكله ومشربه فإن الداعي إلى ذلك شيئان : حاجة ماسة وشهوة باعثة .
فأما الحاجة فتدعو إلى ما سد الجوع وسكن الظمأ .
وهذا مندوب إليه عقلا وشرعا ؛ لما فيه من حفظ النفس وحراسة الجسد .
ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال بين صوم اليومين ؛ لأنه يضعف الجسد ويميت النفس ويعجز عن العبادة .
وكل ذلك يمنع منه الشرع ويدفع عنه العقل ، وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر ، ولا نصيب من زهد ؛ لأن ما حرمها من فعل الطاعات بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا ، إذ ليس في ترك المباح ثواب يقابل فعل الطاعات ، وإتيان القرب ، ومن أخسر نفسه ربحا موفورا ، أو أحرمها أجرا مذخورا ، كان زهده في الخير أقوى من رغبته ولم يبق عليه من هذا التكليف إلا الشهوة بريائه وسمعته .
وأما الشهوة فتتنوع نوعين : شهوة في الإكثار والزيادة وشهوة في تناول الألوان الملذة .
فأما النوع الأول وهو شهوة الزيادة على قدر الحاجة ، والإكثار على مقدار الكفاية ، فهو ممنوع منه في العقل والشرع ؛ لأن تناول ما زاد على الكفاية نهم معر وشره مضر .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ إياكم والبطنة فإنها مفسدة للدين مورثة للسقم مكسلة عن العبادة ﴾ .
وقال علي رضي الله عنه : إن كنت بطنا فعد نفسك زمنا .
وقال بعض البلغاء : أقلل طعاما تحمد مناما .
وقال بعض الأدباء : الرعب لؤم