يكون من كرم النفس وشكر النعمة وضده من ضده وليس بذل الجاه لالتماس الجزاء بذلا مشكورا ، وإنما هو بائع جاهه ومعاوض على نعم الله تعالى وآلائه فكان بالذم أحق .
وأنشد بعض الأدباء لعلي بن عباس الرومي رحمه الله : لا يبذل العرف حين يبذله كمشتري الحمد أو كمعتاضه بل يفعل العرف حين يفعله لجوهر العرف لا لأعراضه وعلى من أسعد بجاهه ثلاثة حقوق يستكثر بها الشكر ويستمد بها المزيد من الأجر : أحدها : أن يستسهل المعونة مسرورا ، ولا يستثقلها كارها ، فيكون بنعم الله تعالى متبرما ولإحسانه مسخطا .
فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ من عظمت نعمة الله تعالى عليه عظمت مئونة الناس عليه ﴾ .
فمن لم يحتمل تلك المئونة عرض تلك النعمة للزوال .
والثاني : مجانبة الاستطالة وترك الامتنان فإنهما من لؤم الطبع وضيق الصدر وفيهما هدم الصنيع ، وإحباط الشكر .
وقد قيل للحكيم اليوناني : من أضيق الناس طريقا وأقلهم صديقا ؟ قال : من عاشر الناس بعبوس وجهه واستطال عليهم بنفسه .
والثالث : أن لا يقرن بمشكور سعيه تقريعا بذنب ولا توبيخا على هفوة فلا يفي مضض التوبيخ بإدراك النجح ويصير الشكر وجدا والحمد عيبا .
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ﴾ .
وقال النابغة الجعدي : ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل إذا ما الشيء ولى فأدبرا وأما الإسعاف في النوائب فلأن الأيام غادرة ، والنوازل غائرة ، والحوادث عارضة ،