وأما شروط المروءة في غيره فثلاثة : المؤازرة والمياسرة والإفضال .
أما المؤازرة فنوعان : أحدهما : الإسعاف بالجاه ، والثاني الإسعاف في النوائب .
فأما الإسعاف بالجاه فقد يكون من الأعلى قدرا ، والأنفذ أمرا ، وهو أرخص المكارم ثمنا وألطف الصنائع موقعا ، وربما كان أعظم من المال نفعا .
وهو الظل الذي يلجأ إليه المضطرون ، والحمى الذي يأوي إليه الخائفون .
فإن أوطأه اتسع بكثرة الأنصار والشيع ، وإن قبضه انقطع بنفور الغاشية والتبع ، فهو بالبذل ينمى ويزيد ، وبالكف ينقص ويبيد ، فلا عذر لمن منح جاها أن يبخل به فيكون أسوأ حالا من البخيل بماله الذي قد يعده لنوائبه ، ويستبقيه للذته ، ويكنزه لذريته .
وبضد ذلك من بخل بجاهه ؛ لأنه قد أضاعه بالشح وبدده بالبخل وحرم نفسه غنيمة مكنته ، وفرصة قدرته ، فلم يعقبه إلا ندما على فائت وأسفا على ضائع ومقتا يستحكم في النفوس وذما قد ينتشر في الناس .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ الخلق كلهم عيال الله وأحب خلق الله تعالى إليه أحسنهم صنيعا إلى عياله ﴾ .
وقال بعض الحكماء : اصنع الخير عند إمكانه يبقى لك حمده عند زواله ، وأحسن والدولة لك يحسن لك ، والدولة عليك ، واجعل زمان رخائك عدة لزمان بلائك .
وقال بعض البلغاء : من علامة الإقبال اصطناع الرجال .
وقال بعض الأدباء : بذل الجاه أحد الحباءين .
وقال ابن الأعرابي : العرب تقول : من أمل شيئا هابه ومن جهل شيئا عابه .
وبذل الجاه قد