نكلف العمي أن يبصروا ، ولا الصم أن يسمعوا .
وهذه الطائفة التي تنفر من العلم هذا النفور ، وتعاند أهله هذا العناد ، ترى العقل بهذه المثابة وتنفر من العقلاء هذا النفور ، وتعتقد أن العاقل محارف ، وأن الأحمق محظوظ .
وناهيك بضلال من هذا اعتقاده في العقل والعلم هل يكون لخير أهلا ، أو لفضيلة موضعا .
وقد قال بعض البلغاء : أخبث الناس المساوي بين المحاسن والمساوئ ؛ وعلة هذا أنهم ربما رأوا عاقلا غير محظوظ ، وعالما غير مرزوق ، فظنوا أن العلم والعقل هما السبب في قلة حظه ورزقه .
وقد انصرفت عيونهم عن حرمان أكثر النوكى وإدبار أكثر الجهال ؛ لأن في العقلاء والعلماء قلة وعليهم من فضلهم سمة .
ولذلك قيل : العلماء غرباء لكثرة الجهال .
فإذا ظهرت سمة فضلهم وصادف ذلك قلة حظ بعضهم تنوهوا بالتمييز واشتهروا بالتعيين ، فصاروا مقصودين بإشارة المتعنتين ، ملحوظين بإيماء الشامتين .
والجهال والحمقى لما كثروا ولم يتخصصوا انصرفت عنهم النفوس فلم يلحظ المحروم منهم بطرف شامت ، ولا قصد المجدود منهم بإشارة عائب .
فلذلك ظن الجاهل المرزوق أن الفقر والضيق مختص بالعلم ، والعقل دون الجهل والحمق ولو فتشت أحوال العلماء والعقلاء ، مع قلتهم ، لوجدت الإقبال في أكثرهم .
ولو اختبرت أمور الجهال والحمقى ، مع كثرتهم ، لوجدت الحرمان في أكثرهم .
وإنما يصير ذو الحال الواسعة منهم ملحوظا مشتهرا ؛ لأن حظه عجيب وإقباله مستغرب .
كما أن حرمان العاقل