تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نكلف العمي أن يبصروا ، ولا الصم أن يسمعوا .

وهذه الطائفة التي تنفر من العلم هذا النفور ، وتعاند أهله هذا العناد ، ترى العقل بهذه المثابة وتنفر من العقلاء هذا النفور ، وتعتقد أن العاقل محارف ، وأن الأحمق محظوظ .

وناهيك بضلال من هذا اعتقاده في العقل والعلم هل يكون لخير أهلا ، أو لفضيلة موضعا .

وقد قال بعض البلغاء : أخبث الناس المساوي بين المحاسن والمساوئ ؛ وعلة هذا أنهم ربما رأوا عاقلا غير محظوظ ، وعالما غير مرزوق ، فظنوا أن العلم والعقل هما السبب في قلة حظه ورزقه .

وقد انصرفت عيونهم عن حرمان أكثر النوكى وإدبار أكثر الجهال ؛ لأن في العقلاء والعلماء قلة وعليهم من فضلهم سمة .

ولذلك قيل : العلماء غرباء لكثرة الجهال .

فإذا ظهرت سمة فضلهم وصادف ذلك قلة حظ بعضهم تنوهوا بالتمييز واشتهروا بالتعيين ، فصاروا مقصودين بإشارة المتعنتين ، ملحوظين بإيماء الشامتين .

والجهال والحمقى لما كثروا ولم يتخصصوا انصرفت عنهم النفوس فلم يلحظ المحروم منهم بطرف شامت ، ولا قصد المجدود منهم بإشارة عائب .

فلذلك ظن الجاهل المرزوق أن الفقر والضيق مختص بالعلم ، والعقل دون الجهل والحمق ولو فتشت أحوال العلماء والعقلاء ، مع قلتهم ، لوجدت الإقبال في أكثرهم .

ولو اختبرت أمور الجهال والحمقى ، مع كثرتهم ، لوجدت الحرمان في أكثرهم .

وإنما يصير ذو الحال الواسعة منهم ملحوظا مشتهرا ؛ لأن حظه عجيب وإقباله مستغرب .

كما أن حرمان العاقل

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٤١