وربما منع ذا السفاهة من طلب العلم أن يصور في نفسه حرفة أهله وتضايق الأمور مع الاشتغال به حتى يسمهم بالإدبار ويتوسمهم بالحرمان ، فإن رأى محبرة تطير منها وإن رأى كتابا أعرض عنه ، وإن رأى متحليا بالعلم هرب منه كأنه لم ير عالما مقبلا وجاهلا مدبرا .
ولقد رأيت من هذه الطبقة جماعة ذوي منازل ، وأحوال كنت أخفي عنهم ما يصحبني من محبرة وكتاب لئلا أكون عندهم مستثقلا ، وإن كان البعد عنهم مؤنسا ومصلحا ، والقرب منهم موحشا ومفسدا .
فقد قال بزرجمهر : الجهل في القلب كالنز في الأرض ، يفسد ما حوله .
لكن اتبعت فيهم الحديث المروي عن أبي الأشعث عن أبي عثمان عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ خالطوا الناس بأخلاقهم وخالفوهم في أعمالهم ﴾ .
ولذلك قال بعض البلغاء : رب جهل وقيت به علماء ، وسفه حميت به حلماء .
وهذه الطبقة ممن لا يرجى لها صلاح ، ولا يؤمل لها فلاح .
لأن من اعتقد أن العلم شين ، وأن تركه زين ، وأن للجهل إقبالا مجديا ، وللعلم إدبارا مكديا ، كان ضلاله مستحكما ورشاده مستعبدا ، وكان هو الخامس الهالك الذي قال فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ﴿ اغد عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامس فتهلك ﴾ .
وقد رواه خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا وليس لمن هذه حاله : في العذل نفع ولا في الإصلاح مطمع .
وقد قيل لبزرجمهر : ما لكم لا تعاتبون الجهال ؟ فقال : إنا لا