تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ لقحوا عقولكم بالمذاكرة ، واستعينوا على أموركم بالمشاورة ﴾ .

وقال بعض الحكماء : من كمال عقلك استظهارك على عقلك .

وقال بعض البلغاء : إذا أشكلت عليك الأمور وتغير لك الجمهور فارجع إلى رأي العقلاء ، وافزع إلى استشارة العلماء ، ولا تأنف من الاسترشاد ، ولا تستنكف من الاستمداد .

فلأن تسأل وتسلم خير لك من أن تستبد وتندم .

وينبغي أن تكثر من استشارة ذوي الألباب لا سيما في الأمر الجليل فقلما يضل عن الجماعة رأي ، أو يذهب عنهم صواب ، لإرسال الخواطر الثاقبة وإجالة الأفكار الصادقة فلا يعزب عنها ممكن ولا يخفى عليها جائز .

وقد قيل في منثور الحكم : من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا ، وعند الخطأ عاذرا ، وإن كان الخطأ من الجماعة بعيدا .

فإذا استشار الجماعة فقد اختلف أهل الرأي في اجتماعهم عليه وانفراد كل واحد منهم به .

فمذهب الفرس أن الأولى اجتماعهم على الارتياء وإجالة الفكر ليذكر كل واحد منهم ما قدحه خاطره ، وأنتجه فكره حتى إذا كان فيه قدح عورض ، أو توجه عليه رد نوقض ، كالجدل الذي تكون فيه المناظرة ، وتقع فيه المنازعة والمشاجرة ، فإنه لا يبقى فيه مع اجتماع القرائح عليه خلل إلا ظهر ، ولا زلل إلا بان .

وذهب غيرهم من أصناف الأمم إلى أن الأولى استسرار كل واحد بالمشورة ليجيل كل واحد منهم فكره في الرأي طمعا في الحظوة بالصواب ، فإن القرائح إذا انفردت استكدها الفكر واستفرغها الاجتهاد ، وإذا اجتمعت

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٣٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٣٨٢