تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاضل إلا من جهة ناقص ، وبلوى عالم إلا على يد جاهل .

وذلك لاستحكام العداوة بينهما بالمباينة ، وحدوث الانتقام ؛ لأجل التقدم .

وقد قال الشاعر : فلا غرو أن يمنى عليم بجاهل فمن ذنب التنين تنكسف الشمس ومنها : ما يعتاضه من الارتياض بنوائب عصره ، ويستفيده من الحنكة ببلاء دهره ، فيصلب عوده ويستقيم عموده ، ويكمل بأدنى شدته ورخائه ، ويتعظ بحالتي عفوه وبلائه .

حكي عن ثعلب قال : دخلت على عبيد الله بن سليمان بن وهب وعليه خلع الرضا بعد النكبة فلما مثلت بين يديه قال لي : يا أبا العباس اسمع ما أقول : نوائب الدهر أدبتني وإنما يوعظ الأديب قد ذقت حلوا وذقت مرا كذاك عيش الفتى ضروب لم يمض بؤس ولا نعيم إلا ولي فيهما نصيب كذاك من صاحب الليالي تغدوه من درها الخطوب فقلت : لمن هذه الأبيات ؟ قال : لي .

ومنها : أن يختبر أمور زمانه ، ويتنبه على صلاح شأنه ، فلا يغتر برخاء ، ولا يطمع في استواء ، ولا يؤمل أن تبقى الدنيا على حالة ، أو تخلو من تقلب واستحالة ، فإن من عرف الدنيا وخبر أحوالها هان عليه بؤسها ونعيمها .

وأنشد بعض الأدباء : إني رأيت عواقب الدنيا فتركت ما أهوى لما أخشى فكرت في الدنيا وعالمها فإذا جميع أمورها تفنى وبلوت أكثر أهلها فإذا كل امرئ في شأنه يسعى أسنى منازلها وأرفعها في العز أقربها من المهوى تعفو مساويها محاسنها لا فرق بين النعي والبشرى ولقد مررت على القبور فما ميزت بين العبد والمولى أتراك تدري كم رأيت من الأحياء ثم

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٣٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٣٧٢