تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نفسه في مدح الصبوة ، وتابعها على هذه الشهوة ، تشاغل بها عن الفضائل الممدوحة ، ولها بها عن المحاسن الممنوحة ، فصار الظاهر من مدحه كذبا ، والباطن من ذمه صدقا ، وعند تقابلهما يكون الصدق ألزم الأمرين .

وهذه خدعة لا يرتضيها عاقل ولا ينخدع بها مميز .

وليعلم أن المتقرب بالمدح يسرف مع القبول ويكف مع الإباء ، فلا يغلبه حسن الظن على تصديق مدح هو أعرف بحقيقته ولتكن تهمة المادح أغلب عليه .

فقل مدح كان جميعه صدقا ، وقل ثناء كان له حقا .

ولذلك كره أهل الفضل أن يطلقوا ألسنتهم بالثناء والمدح تحرزا من التجاوز فيه ، وتنزيها عن التملق به .

وقد روى مكحول قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ لا تكونوا عيابين ولا تكونوا لعانين ولا متمادحين ولا متماوتين ﴾ .

وحكى الأصمعي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان إذا مدح قال : اللهم أنت أعلم بي من نفسي ، وأنا أعلم بنفسي منهم ، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون .

وقال بعض الشعراء : إذا المرء لم يمدحه حسن فعاله فمادحه يهذي وإن كان مفصحا وربما آل حب المدح بصاحبه إلى أن يصير مادح نفسه ، إما لتوهمه أن الناس قد غفلوا عن فضله ، وأخلوا بحقه .

وإما ليخدعهم بتدليس نفسه بالمدح والإطراء ، فيعتقدون أن قوله حق متبع ، وصدق مستمع .

وإما لتلذذه بسماع الثناء وسرور نفسه بالمدح والإطراء ، ما يتغنى بنفسه طربا إذا لم يسمع صوتا مطربا ولا غناء ممتعا .

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٢٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٢٩٦