تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الأمر الثالث : فهو أن لا يقنع بالكفاية ويطلب الزيادة والكثرة ، فقد يدعو إلى ذلك أربعة أسباب : أحدها : منازعة الشهوات التي لا تنال إلا بزيادة المال وكثرة المادة ، فإذا نازعته الشهوة طلب من المال ما يوصله .

وليس للشهوات حد متناه فيصير ذلك ذريعة إلى أن ما يطلبه من الزيادة غير متناه .

ومن لم يتناه طلبه استدام كده وتعبه ، ومن استدام الكد والتعب لم يف التذاذه بنيل شهواته بما يعانيه من استدامة كده وإتعابه ، مع ما قد لزمه من ذم الانقياد لمغالبة الشهوات ، والتعرض لاكتساب التبعات ، حتى يصير كالبهيمة التي قد انصرف طلبها إلى ما تدعو إليه شهوتها ، فلا تنزجر عنه بعقل ولا تنكف عنه بقناعة .

وقد روي عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ من أراد الله به خيرا حال بينه وبين شهوته ، وحال بينه وبين قلبه ، وإذا أراد به شرا وكله إلى نفسه ﴾ .

وقد قال الشاعر : وإنك إن أعطيت بطنك همه وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا والسبب الثاني : أن يطلب الزيادة ويلتمس الكثرة ليصرفها في وجوه الخير ، ويتقرب بها في جهات البر ، ويصطنع بها المعروف ، ويغيث بها الملهوف .

فهذا أعذر وبالحمد أحرى وأجدر ، إذا انصرفت عنه تبعات المطالب ، وتوقى شبهات المكاسب ، وأحسن التقدير في حالتي فائدته وإفادته على قدر الزمان ، وبقدر الإمكان ؛ لأن المال آلة للمكارم وعون على الدين ومتألف للإخوان ، ومن فقده من أهل الدنيا قلت الرغبة فيه والرهبة منه ،

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٢٧٢