فأما القاعدة الثالثة : فهي المادة الكافية ؛ لأن حاجة الإنسان لازمة لا يعرى منها بشر .
قال الله تعالى : ﴿ وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ﴾ فإذا عدم المادة التي هي قوام نفسه لم تدم له حياة ، ولم تستقم له دنيا ، وإذا تعذر شيء منها عليه لحقه من الوهن في نفسه والاختلال في دنياه بقدر ما تعذر من المادة عليه ؛ لأن الشيء القائم بغيره يكمل بكماله ويختل باختلاله .
ثم لما كانت المواد مطلوبة لحاجة الكافة إليها أعوزت بغير طلب ، وعدمت لغير سبب .
وأسباب المودة مختلفة ، وجهات المكاسب متشعبة ؛ ليكون اختلاف أسبابها علة الائتلاف بها ، وتشعب جهاتها توسعة لطلابها ، كي لا يجتمعوا على سبب واحد فلا يلتئمون ، أو يشتركوا في جهة واحدة فلا يكتفون .
ثم هداهم إليها بعقولهم وأرشدهم إليها بطباعهم حتى لا يتكلفوا ائتلافهم في المعايش المختلفة فيعجزوا ولا يعاونوا بتقدير موادهم بالمكاسب المتشعبة ، فيختلوا حكمة منه سبحانه وتعالى اطلع بها على عواقب الأمور .
وقد أنبأ الله تعالى في كتابه العزيز أخبارا وإذكارا فقال - سبحانه وتعالى - : ﴿ قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ .
اختلف المفسرون في تأويل ذلك فقال قتادة : أعطى كل شيء ما يصلح ثم هداه .
وقال مجاهد : أعطى كل شيء زوجة ثم هداه لنكاحها .
وقال تعالى : ﴿ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ﴾ .
يعني معايشهم متى يزرعون ومتى يغرسون : ﴿ وهم عن الآخرة هم غافلون ﴾ .
وقال تعالى : {