تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد اختلفت مذاهب الناس في اتخاذ الإخوان .

فمنهم من يرى أن الاستكثار منهم أولى ؛ ليكونوا أقوى منعة ويدا ، وأوفر تحببا وتوددا ، وأكثر تعاونا وتفقدا .

وقيل لبعض الحكماء : ما العيش ؟ قال : إقبال الزمان ، وعز السلطان ، وكثرة الإخوان .

وقيل : حلية المرء كثرة إخوانه .

ومنهم من يرى أن الإقلال منهم أولى ؛ لأنه أخف إثقالا وكلفا ، وأقل تنازعا وخلفا .

وقال الإسكندر : المستكثر من الإخوان من غير اختيار كالمستوفر من الحجارة ، والمقل من الإخوان المتخير لهم كالذي يتخير الجوهر .

وقال عمرو بن العاص : من كثر أخوانه كثر غرماؤه .

وقال إبراهيم بن العباس : مثل الإخوان كالنار قليلها متاع وكثيرها بوار .

ولقد أحسن ابن الرومي في هذا المعنى ، ونبه على العلة ، حيث يقول : عدوك من صديقك مستفاد فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب ودع عنك الكثير فكم كثير يعاف وكم قليل مستطاب فما اللجج الملاح بمرويات وتلقى الري في النطف العذاب وقال بعض البلغاء : ليكن غرضك في اتخاذ الإخوان واصطناع النصحاء تكثير العدة لا تكثير العدة ، وتحصيل النفع لا تحصيل الجمع ، فواحد يحصل به المراد خير من ألف تكثر الأعداد .

وإذا كان التجانس والتشاكل من قواعد الأخوة وأسباب المودة ، كان وفور العقل وظهور الفضل يقتضي من حال صاحبه قلة إخوانه ؛ لأنه يروم مثله ، ويطلب شكله وأمثاله من ذوي العقل والفضل أقل من أضداده من ذوي الحمق والنقص ؛

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٢١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٢١٢