بالعادة مجرى الطبع ، حتى يصير ما تطبع به في العادة أغلب عليه مما كان مطبوعا عليه إذ خالف العادة .
ولذلك قيل : العادة طبع ثان .
وقال ابن الرومي رحمه الله : واعلم بأن الناس من طينة يصدق في الثلب لها الثالب لولا علاج الناس أخلاقهم إذن لفاح الحمأ اللازب وأما الفاقة فهي أن يفتقر الإنسان ؛ لوحشة انفراده ومهانة وحدته ، إلى اصطفاء من يأنس بمواخاته ويثق بنصرته وموالاته .
وقد قالت الحكماء : من لم يرغب بثلاث بلي بست : من لم يرغب في الإخوان بلي بالعداوة والخذلان ، ومن لم يرغب في السلامة بلي بالشدائد والامتهان ، ومن لم يرغب في المعروف بلي بالندامة والخسران .
ولعمري إن إخوان الصدق من أنفس الذخائر وأفضل العدد ؛ لأنهم سهماء النفوس وأولياء النوائب .
وقد قالت الحكماء رب صديق أود من شقيق .
وقيل لمعاوية : أيما أحب إليك ؟ قال : صديق يحببني إلى الناس .
وقال ابن المعتز : القريب بعداوته بعيد ، والبعيد بمودته قريب .
وقال الشاعر : لمودة ممن يحبك مخلصا خير من الرحم القريب الكاشح وقال آخر : يخونك ذو القربى مرارا وربما وفى لك عند العهد من لا تناسبه فإذا عزم على اصطفاء الإخوان سبر أحوالهم قبل إخائهم ، وكشف عن أخلاقهم قبل اصطفائهم ؛ لما تقدم من قول الحكماء : أسبر تخبر .
ولا تبعثه الوحدة على الإقدام قبل الخبرة ، ولا حسن الظن على الاغترار بالتصنع .
فإن الملق مصائد العقول ، والنفاق تدليس الفطن ، وهما سجية المتصنع .
وليس فيمن يكون النفاق