لأنها قد تؤدي إلى ممازجة النفوس وإن تميزت ذواتها ، وتفضي إلى مخالطة الأرواح وإن تفارقت أجسادها .
وهذه حالة لا يمكن حصر غايتها ، ولا الوقوف عند نهايتها .
وقد قال الكندي : الصديق إنسان هو أنت إلا أنه غيرك .
ومثل هذا القول المروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين أقطع طلحة بن عبيد الله أرضا وكتب له بها كتابا ، وأشهد فيه ناسا منهم عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه فأتى طلحة بكتابه إلى عمر ليختمه ، فامتنع عليه ، فرجع طلحة مغضبا إلى أبي بكر ، رضي الله عنه وقال : والله ما أدري أنت الخليفة أم عمر ؟ فقال : بل عمر ، لكنه أنا .
وأما المكتسبة بالقصد فلا بد لها من داع يدعو إليها ، وباعث يبعث عليها ، وذلك من وجهين : رغبة وفاقة .
فأما الرغبة فهي أن يظهر من الإنسان فضائل تبعث على إخائه ، ويتوسم بجميل يدعو إلى اصطفائه .
وهذه الحالة أقوى من التي بعدها لظهور الصفات المطلوبة من غير تكلف لطلبها ، وإنما يخاف عليها من الاغترار بالتصنع لها .
فليس كل من أظهر الخير كان من أهله ، ولا كل من تخلق بالحسنى كانت من طبعه .
والمتكلف للشيء مناف له إلا أن يدوم عليه مستحسنا له في العقل ، أو متدينا به في الشرع ، فيصير متطبعا به لا مطبوعا عليه ؛ لأنه قد تقدم من كلام الحكماء : ليس في الطبع أن يكون ما ليس في التطبع .
ثم نقول من المتعذر أن تكون أخلاق الفاضل كاملة بالطبع ، وإنما الأغلب أن يكون بعض فضائله بالطبع ، وبعضها بالتطبع الجاري