تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمؤاخاة في الناس قد تكون على وجهين : أحدهما أخوة مكتسبة بالاتفاق الجاري مجرى الاضطرار .

والثانية : مكتسبة بالقصد والاختيار .

فأما المكتسبة بالاتفاق فهي أوكد حالا ؛ لأنها تنعقد عن أسباب تعود إليها .

والمكتسبة بالقصد تعقد لها أسباب تنقاد إليها .

وما كان جاريا بالطبع فهو ألزم مما هو حادث بالقصد .

ونحن نبدأ بالوجه الأول المكتسب بالاتفاق ثم نعقبه بالوجه الثاني المكتسب بالقصد .

أما المكتسب بالاتفاق فله أسباب نبتدئ بها ثم ننتقل في غاية أحواله المحدودة إلى سبع مراتب ربما استكملتهن وربما وقفت على بعضهن ولكل مرتبة من ذلك حكم خاص وسبب موجب .

قال الشاعر : ما هوى إلا له سبب يبتدي منه وينشعب فأول أسباب الإخاء : التجانس في حال يجتمعان فيها ويأتلفان بها ، فإن قوي التجانس قوي الائتلاف به وإن ضعف كان ضعيفا ما لم تحدث علة أخرى يقوى بها الائتلاف .

وإنما كان ذلك كذلك ؛ لأن الائتلاف بالتشاكل ، والتشاكل بالتجانس ، فإذا عدم التجانس من وجه انتفى التشاكل من وجه ، ومع انتفاء التشاكل يعدم الائتلاف .

فثبت أن التجانس ، وإن تنوع ، أصل الإخاء وقاعدة الائتلاف .

وقد روى يحيى بن سعيد ، عن عمر ، عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ﴾ .

وهذا واضح وهي بالتجانس متعارفة ، وبفقده متناكرة .

وقيل في منثور الحكم : الأضداد لا تتفق ، والأشكال لا تفترق .

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٢٠٢