وإذا كانت الألفة بما أثبت تجمع الشمل وتمنع الذل ، اقتضت الحال ذكر أسبابها .
وأسباب الألفة خمسة وهي : الدين والنسب والمصاهرة والمودة والبر .
فأما الدين : وهو الأول من أسباب الألفة فلأنه يبعث على التناصر ، ويمنع من التقاطع والتدابر .
وبمثل ذلك وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ، فروى سفيان عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ﴾ .
وهذا وإن كان اجتماعهم في الدين يقتضيه فهو على وجه التحذير من تذكر تراث الجاهلية وإحن الضلالة .
فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والعرب أشد تقاطعا وتعاديا ، وأكثر اختلافا وتماديا ، حتى إن بني الأب الواحد يتفرقون أحزابا فتثير بينهم بالتحزب والافتراق أحقاد الأعداء ، وإحن البعداء .
وكانت الأنصار أشدهم تقاطعا وتعاديا ، وكان بين الأوس والخزرج من الاختلاف والتباين أكثر من غيرهم إلى أن أسلموا فذهبت إحنهم وانقطعت عداواتهم وصاروا بالإسلام إخوانا متواصلين ، وبألفة الدين أعوانا متناصرين .
قال الله تعالى : ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ﴾ .
يعني أعداء في الجاهلية فألف بين قلوبكم بالإسلام .
وقال تعالى : ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ﴾ .
يعني حبا .
وعلى حسب التآلف على الدين تكون العداوة