تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصل : وأما ما يصلح به حال الإنسان فيها فثلاثة أشياء ، هي قواعد أمره ونظام حاله ، وهي : نفس مطيعة إلى رشدها منتهية عن غيها ، وألفة جامعة تنعطف القلوب عليها ويندفع المكروه بها ، ومادة كافية تسكن نفس الإنسان إليها ويستقيم أوده بها .

فأما القاعدة الأولى التي هي نفس مطيعة : فلأنها إذا أطاعته ملكها ، وإذا عصته ملكته ولم يملكها .

ومن لم يملك نفسه فهو بأن لا يملك غيرها أحرى ، ومن عصته نفسه كان بمعصية غيرها أولى .

وقال بعض الحكماء : لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره ونفسه ممتنعة عليه .

وقد قال الشاعر : أتطمع أن يطيعك قلب سعدى وتزعم أن قلبك قد عصاك وطاعة نفسه تكون من وجهين : أحدهما نصح ، والثاني انقياد .

فأما النصح فهو أن ينظر إلى الأمور بحقائقها فيرى الرشد رشدا ويستحسنه ، ويرى الغي غيا ويستقبحه .

وهذا يكون من صدق النفس إذا سلمت من دواعي الهوى .

ولذلك قيل : من تفكر أبصر .

فأما الانقياد فهو أن تسرع إلى الرشد إذا أمرها ، وتنتهي عن الغي إذا زجرها .

وهذا يكون من قبول النفس إذا كفيت منازعة الشهوات .

قال الله تعالى : ﴿ ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ﴾ .

وللنفس آداب هي تمام طاعتها ، وكمال مصلحتها .

وقد أفردنا لها من هذا الكتاب بابا واقتصرنا في هذا الموضع على ما قد اقتضاه الترتيب ، واستدعاه التقريب .

أدب الدنيا والدين · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ١٨١