تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما القاعدة الرابعة : فهي أمن عام تطمئن إليه النفوس وتنتشر فيه الهمم ، ويسكن إليه البريء ، ويأنس به الضعيف .

فليس لخائف راحة ، ولا لحاذر طمأنينة .

وقد قال بعض الحكماء ، الأمن أهنأ عيش ، والعدل أقوى جيش ؛ لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم ، ويحجزهم عن تصرفهم ، ويكفهم عن أسباب المواد التي بها قوام أودهم وانتظام جملتهم ؛ لأن الأمن من نتائج العدل ، والجور من نتائج ما ليس بعدل .

وقد يكون الجور تارة بمقاصد الآدميين الخارجة عن العدل ، وتارة يكون بأسباب حادثة من غير مقاصد الآدميين فلا تكون خارجة عن حال العدل .

فمن أجل ذلك لم يكن ما سبق من حال العدل مقنعا عن أن يكون الأمن في انتظام الدنيا قاعدة كالعدل .

فإذا كان ذلك كذلك فالأمن المطلق ما عم والخوف قد يتنوع تارة ويعم .

فتنوعه بأن يكون تارة على النفس ، وتارة على الأهل ، وتارة على المال .

وعمومه أن يستوجب جميع الأحوال ، ولكل واحد من أنواعه حظ من الوهن ، ونصيب من الحزن .

وقد يختلف باختلاف أسبابه ويتفاضل بتباين جهاته ، ويكون بحسب اختلاف الرغبة فيما خيف عليه .

فمن أجل ذلك لم يجز أن يتصف حال كل واحد من أنواعه بمقدار من الوهن ونصيب من الحزن ، لا سيما والخائف على الشيء مختص الهم به منصرف الفكر عن غيره .

فهو يظن أن لا خوف له إلا إياه ، فيغفل عن قدر النعمة بالأمن فيما سواه ، فصار كالمريض الذي هو بمرضه متشاغل ، وعما سواه غافل .

ولعل ما صرف عنه أعظم مما ابتلي

أدب الدنيا والدين · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ١٧٥