تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بين رذيلتين فما جاوز التوسط خرج عن حد الفضيلة .

وقد قالت الحكماء للإسكندر : أيها الملك عليك بالاعتدال في كل الأمور ، فإن الزيادة عيب والنقصان عجز .

هذا مع ما وردت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ خير الأمور أوساطها ﴾ .

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : خير الأمور النمط الأوسط ، إليه يرجع العالي ، ومنه يلحق التالي .

وقال الشاعر : لا تذهبن في الأمور فرطا لا تسألن إن سألت شططا وكن من الناس جميعا وسطا قالوا : لأن زيادة العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء والمكر وذلك مذموم وصاحبه ملوم .

وقد أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسى الأشعري أن يعزل زيادا عن ولايته فقال زياد : يا أمير المؤمنين أعن موجدة أو خيانة ؟ فقال : لا عن واحدة منهما ، ولكن خفت أن أحمل على الناس فضل عقلك .

ولأجل هذا المحكي عن عمر ما قيل قديما : إفراط العقل مضر بالجسد .

وقال بعض الحكماء : كفاك من عقلك ما دلك على سبيل رشدك .

وقال بعض البلغاء : قليل يكفي خير من كثير يطغي .

وقال آخرون ، وهو أصح القولين : زيادة العقل فضيلة ؛ لأن المكتسب غير محدود ، وإنما تكون زيادة الفضائل المحمودة نقصا مذموما ؛ لأن ما جاوز الحد لا يسمى فضيلة كالشجاع إذا زاد على حد الشجاعة نسب إلى التهور ، والسخي إذا زاد على حد السخاء نسب إلى التبذير .

وليس كذلك حال العقل المكتسب ؛ لأن الزيادة فيه زيادة علم بالأمور وحسن إصابة بالظنون ومعرفة ما لم يكن إلى ما يكون ، وذلك فضيلة

أدب الدنيا والدين · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ١٢