يختبر عباده وليس للعبد أن يختبر ربه .
ومثل هذا الجواب لا يستغرب من أنبياء الله تعالى الذين أمدهم بوحيه ، وأيدهم بنصره ، وإنما يستغرب ممن يلجأ إلى خاطره ويعول على بديهته .
وروى قثم بن العباس رضي الله عنهما قال : قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : كم بين السماء والأرض ؟ قال : دعوة مستجابة .
قيل : فكم بين المشرق والمغرب ؟ قال : مسيرة يوم للشمس .
فكان هذا السؤال من سائله إما اختبارا ، وإما استبصارا فصدر عنه من الجواب ما أسكت .
فأما إذا اجتمع هذان الوجهان في العقل المكتسب وهو ما ينميه فرط الذكاء بجودة الحدس وصحة القريحة بحسن البديهة ، مع ما ينميه الاستعمال بطول التجارب ومرور الزمان بكثرة الاختبار ، فهو العقل الكامل على الإطلاق في الرجل الفاضل الاستحقاق .
روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال { : أثني على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير فقال : كيف عقله ؟ قالوا : يا رسول الله إن من عبادته ، إن من خلقه ، إن من فضله ، إن من أدبه .
فقال : كيف عقله ؟ قالوا : يا رسول الله نثني عليه بالعبادة ، وأصناف الخير وتسألنا عن عقله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الأحمق العابد يصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر وإنما يقرب الناس من ربهم بالزلف على قدر عقولهم } .
واختلف الناس في العقل المكتسب إذا تناهى وزاد هل يكون فضيلة أم لا فقال قوم : لا يكون فضيلة ؛ لأن الفضائل هيئات متوسطة بين فضيلتين ناقصتين ، كما أن الخير توسط