والشح يصد عنها .
وما يبعث على أداء الحقوق فأجدر به حمدا ، وما صد عنها فأخلق به ذما .
وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ شر ما أعطي العبد شح هالع ، وجبن خالع ﴾ .
فسبحان من دبرنا بلطيف حكمته ، وأخفى عن فطنتنا جزيل نعمته ، حتى استوجب من الشكر بإخفائها أعظم مما استوجبه بإبدائها .
ثم فرض الحج فكان آخر فروضه ؛ لأنه يجمع عملا على بدن وحقا في مال .
فجعل فرضه بعد استمرار فروض الأبدان وفروض الأموال ؛ ليكون استئناسهم بكل واحد من النوعين ذريعة إلى تسهيل ما جمع بين النوعين .
فكان في إيجابه تذكير ليوم الحشر بمفارقة المال والأهل ، وخضوع العزيز والذليل في الوقوف بين يديه ، واجتماع المطيع والعاصي في الرهبة منه والرغبة إليه ، وإقلاع أهل المعاصي عما اجترحوه ، وندم المذنبين على ما أسلفوه ، فقل من حج إلا وأحدث توبة من ذنب وإقلاعا من معصية ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ من علامة الحجة المبرورة أن يكون صاحبها بعدها خيرا منه قبلها ﴾ .
وهذا صحيح ؛ لأن الندم على الذنوب مانع من الإقدام عليها ، والتوبة مكفرة لما سلف منها .
فإذا كف عما كان يقدم عليه أنبأ عن صحة توبته ، وصحة التوبة تقتضي قبول حجته .
ثم نبه بما يعاني فيه من مشاق السفر المؤدي إليه على موضع النعمة برفاهة الإقامة وأنسة الأوطان ليحنو على من سلب هذه النعمة من أبناء السبيل .
ثم أعلم بمشاهدة حرمه الذي أنشأ منه دينه