تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الباب الثالث أدب الدين اعلم أن الله سبحانه وتعالى إنما كلف الخلق متعبداته ، وألزمهم مفترضاته ، وبعث إليهم رسله وشرع لهم دينه لغير حاجة دعته إلى تكليفهم ، ولا من ضرورة قادته إلى تعبدهم ، وإنما قصد نفعهم تفضلا منه عليهم كما تفضل بما لا يحصى عدا من نعمه .

بل النعمة فيما تعبدهم به أعظم ؛ لأن نفع ما سوى المتعبدات مختص بالدنيا العاجلة ، ونفع المتعبدات يشتمل على نفع الدنيا والآخرة ، وما جمع نفع الدنيا والآخرة كان أعظم نعمة وأكثر تفضلا .

وجعل ما تعبدهم به مأخوذا من عقل متبوع ، وشرع مسموع فالعقل متبوع فيما لا يمنع منه الشرع ، والشرع مسموع فيما لا يمنع منه العقل ؛ لأن الشرع لا يرد بما يمنع منه العقل ، والعقل لا يتبع فيما يمنع منه الشرع .

فلذلك توجه التكليف إلى من كمل عقله فأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون .

فبلغهم رسالته ، وألزمهم حجته ، وبين لهم شريعته ، وتلا عليهم كتابه ، فيما أحله وحرمه ، وأباحه وحظره ، واستحبه وكرهه ، وأمر به ونهى عنه ، وما وعد به من الثواب لمن أطاعه وأوعد به من العقاب لمن عصاه .

فكان وعده ترغيبا ، ووعيده ترهيبا ؛ لأن الرغبة تبعث على الطاعة ، والرهبة تكف عن المعصية ، والتكليف يجمع أمرا بطاعة ونهيا عن معصية .

ولذلك كان التكليف مقرونا بالرغبة والرهبة ، وكان ما تخلل كتابه من قصص الأنبياء السالفة ، وأخبار القرون الخالية ، عظة واعتبارا تقوى

أدب الدنيا والدين · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ١٠٢