ذكرت الله كثيراً حتى صار كل شيء نوراً، وقد ذبت وسحقت في الله، بل صرت الله بجميع ذاته وصفاته وأسمائه، وبقيت تقريب الساعتين، والعالمين في بهجة وسرور وطبل وزمر وموسيقى وأذكار وأناشيد وصلوات على النبي، ثم انتهت وأنا في غاية السرور حامداً وشاكراً.
وحديث آخر يحدث به شيخ آخر (الشيخ م) يقول:
رأيت مناماً، أن أصابعي هم سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الكفوف (جمع كف) وما فوق هي الله تعالى. وإن الذين لا يؤمنون بذلك، بل يكذِّبون، هم كالبصقة تغلبني، لكني أبصقها في النهاية، وما بقي منها أبلعه، فيذهب ويمتزج مع الغائط ويخرج إلى حيث...اهـ.
- هاذان القطبان غير مثقفين، ولم يتقنا المكر أو لم يتعلماه، فقالا ما رأيا بصدق وبراءة، دون تهذيب ولا تنميق! لذلك ظهرت هلوسات الغرور المرهَق بالذكر الإرهاقي، والموجه بالقناعات والطموحات المسبقة، ظهرت واضحة في رؤاهما وأقوالهما، أما غيرهما من المثقفين والأدباء، فإنهم يحذفون ما لا يحسن إظهاره، أو يكتمونه أو يزوّرون فيه بالرمز واللغز، حتى يظهر مقبولاً بعض الشيء، ومع ذلك؟ فمن المتعذر أن تنقلب الزندقة إيماناً مهما أُلبست من تأويلات وتزويرات.
* دعوة إلى الجهل والفسوق:-
يقول سيدي محمد وفا (قطب غوث):
وبعد الفنا في الله كن كيفما تشا ... ... فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر
فصاحب هذا الوصف يقال له في اصطلاح القوم: (في حضرة الإطلاق)، ويقال له: من الأحرار، لكونه مطلوقاً من طبائعه ومن كل ما سوى مولاه...وتارة تضاف حضرة الإطلاق إلى الله تعالى(1)...
- إذن، وكما يقرر هذا الغوث، بل كلهم يقررون أن السالك عندما يصل في الجذبة إلى الفناء يغدو ذا علم لا جهل فيه وإن كان أجهل الجهلاء ويغدو فعله، مهما كان فعله، لا وزر فيه (ولو جمع كل الأوزار).
وهذا مما يفسر لنا سبب الجهل والفساد الخلقي الذي تتخبط فيه الأمة الإسلامية.
(1) الأسرار الربانية والفيوضات الرحمانية، (ص:81).