...وعن بعضهم أنه قال: أقلقني الشوق إلى الخضر عليه السلام، فسألت الله تعالى مرة أن يريني إياه ليعلمني شيئاً كان أهم الأشياء علي، قال: فرأيته، فما غلب على همي ولا همتي إلا أن قلت له: يا أبا العباس! علمني شيئاً إذا قلته حجبت عن قلوب الخليقة، فلم يكن لي فيها قدر، ولا يعرفني أحد بصلاح ولا ديانة؟ فقال: قل: اللهم أسبل علي كثيف سترك، وحط علي سرادقات حجبك، واجعلني في مكنون غيبك، واحجبني عن قلوب خلقك. قال: ثم غاب فلم أره، ولم أشتق إليه بعد ذلك؟ فما زلت أقول هذه الكلمات في كل يوم. فحكى أنه صار بحيث يستذل ويمتهن، حتى كان أهل الذمة يسخرون به ويستسخرونه في الطرق يحمل الأشياء لهم لسقوطه عندهم، وكان الصبيان يلعبون به، فكانت راحته ركود قلبه واستقامة حاله في ذلك وخموله(1)...
- يعلق الغزالي (الإمام حجة الإسلام) على هذا فيقول: وهكذا حال أولياء الله تعالى، ففي أمثال هؤلاء ينبغي أن يطلبوا(2)...
- ونحن بدورنا نسأل الغزالي، ونسأل معه المكي قبله: ما معنى قوله تعالى: ((وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)) [المنافقون:8]؟ على أن الآية نفسها قدمت الجواب، فقالت: ((وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [المنافقون:8].
وأمثال هذه الدعوة تفسر لنا سبب انحطاط المسلمين وما آل إليه أمرهم.
* لا قيمة للصلاة والصيام في الآخرة:-
يقول حجة الإسلام الهمام، بدر التمام، أبو حامد، بل أبو المحامد، الغزالي (بعد أن يتكلم على المقامات الصوفية):
...فالعلم بحدود هذه الأمور...هو علم الآخرة، وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة (أي: الصوفية)، فالمعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا، بحكم فتوى فقهاء الدنيا(3)...
(1) القوت: (2/73)، والإحياء: (4/306).
(2) الإحياء: (4/306).
(3) الإحياء: (1/19). وهذا المعنى يتكرر في الإحياء، انظر: (4/183، 184).