...وهذه الحال التي ذكرناها وحركنا سؤالك إلى ذوقٍ منها، هي من جملة الأحوال التي نبه عليها الشيخ أبو علي (أي: ابن سينا)، حيث يقول: ثم إذا بلغت به الإرادة والرياضة حداً ما، عنت له خلسات من اطّلاع نور الحق لذيذة، كأنها بروق تومض إليه ثم تخمد عنه(1)، ثم إنه تكثر عليه هذه الغواشي إذا أمعن في الارتياض، ثم إنه ليوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض، فكلما لمح شيئاً عاج عنه إلى جناب القدس(2)، فيذكر من أمره أمراً، فيغشاه غاش، فيكاد يرى الحق في كل شيء، ثم إنه لَتَبْلُغ به الرياضة مبلغاً ينقلب له وقته سكينة، فيصير المخطوف مألوفاً، والوميض شهاباً بيناً، وتحصل له معارفه مستقرةً كأنها صحبة مستمرة.. إلى ما وصفه من تدرج المراتب وانتهائها إلى النيل، بأن يصير سره مرآةً يحاذي بها شطر الحق، وحينئذ تدر عليه اللذات العلى، ويفرح بنفسه لما يرى بها مِنْ أثر الحق، ويكون له في هذه الرتبة نظر إلى الحق ونظر إلى نفسه، وهو بعدُ متردد، ثم إنه ليغيب عن نفسه، فيلحظ جناب القدس فقط، وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظة، وهناك يحق الوصول.
- قبل تكملة المسيرة مع ابن طفيل، أريد أن أنبه إلى أننا يجب أن نفهم العبارات:
يرى الحق في كل شيء وكأنها صحبة مستمرة، ويحاذي بها شطر الحق، فهماً منطلقاً من عقيدة الصوفية التي ترفض الاثنينية وما ينبثق عنها من قول بالحلول أو الاتحاد، وتكفر من يقول بها، أي يجب أن نفهمها انطلاقاً من عقيدتهم بوحدة الوجود، فقط.
ونعود إلى ابن طفيل، يقول بعد فقرات من قوله السابق:
...وظهر بهذا القول أن مطلوبك لم يتعد أحد غرضين:
(1) هذا هو ما يسمونه البوارق أو اللوامع أو اللوامح أو البوادة... إلخ.
(2) يعني بعبارة (جناب القدس) الألوهية.