أول ما يتصف العبد بالتكوين في عالم الغيب، فيكوِّن الأشياء في الملكوت، ولا يستطيع على تكوينها في الملك! فمثله مَنْ يستطيع تصور الخيالات في عقله ولا يقدر عليها في محسوسه، فإذا استقام رجله في هذا المنظر، ثم اتصف حساً بصفتي القدرة والإرادة، يتجلى الله عليه بتجل إلهي يُكسبه نفوذ الأمر في عالم الأكوان جميعاً، الغيبية والشهادة، فحينئذ يقول للشيء كن فيكون، غيباً وشهادة، والناس في هذا المنظر متفاوتون، فمنهم من يظهر أثر أمره على الفور، ومنهم من يتأخر ظهور أثر أمره(1)...
* ملحوظة:
أرجو من القارئ الكريم أن يقرأ في فصل لاحق، مفعول المخدرات ورؤاها، ثم يقارنها بهذه الرؤى والمشاهدات، مع ملحوظة أن رؤى حشاش المخدرات تنبثق من عواطفه وأمانيه الساذجة، أما رؤى حشاش الإشراق فتنبثق من إيحاءات الشيخ وتوجيهاته، والطموحات المسيطرة على الجو الصوفي.
- ولنكتف من هذا الغوث بهذه المشاهد.
- ولنستعرض بعده الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر محيي الدين بن عربي في بعض وصفه لبعض الكشوف، يقول:
...واشتغلْ بالذكر حتى يتجلى لك مذكورك...
ثم بعد هذا يُكشف لك عن عالم سريان الحياة السببية في الأحياء، وما تعطي من الأثر في كل ذات بحسب استعداد الذوات...
فإن لم تقف مع هذا رُفع عنك، ورُفعت لك اللوائح اللوحية(2)، وخوطبت بالمخاويف، وتنوعت عليك الحالات، وأقيم لك دولاب تعاين فيه صور الاستحالات، وكيف يصير الكثيف لطيفاً واللطيف كثيفاً...
فإن لم تقف مع هذا رُفع لك نورٌ متطاير الشرر، فستطلب الستر عنه فلا تخف، ودم على الذكر فإنك إذا دمت على الذكر لم تصبك آفة...
...فإن لم تقف مع هذا رُفع لك عن أرواحٍ مستهلكة في مشهد من مشاهده، هم فيه حيارى سكارى قد غلبهم سلطان الوجد، فدعاك حالهم.
(1) المناظر الإلهية، (ص:79).
(2) اللوحية نسبة إلى اللوح المحفوظ.