فأما تجلي الأفعال، فإن الله تعالى إذا كشف عن بصر بصيرة العبد يتجلى الواحدية في العالم، فإنه أول ما يقع عنده من تفصيل ذلك المحل إرجاع أفعاله إلى الحق، وينسبها إليه سبحانه بعين ما كان ينسبها إلى نفسه، وفي هذا المشهد يسلب فعل العبد وقوته وإرادته، فلا يبقى له فعل ولا قوة ولا قدرة ولا إرادة، بل هو كسائر الجمادات، فهو في هذا المنظر لا فعل له البتة، فلو تكلم وسألته عن كلامه، لقال: لم أتكلم في هذا المشهد، وقد يفوت من الفرائض وغيرها على مَن لم يحفظها الله عليه من أوليائه، وقد يصدر ما يصدر عليه من لسان المعاصي، فيقال: عصى وترك ما وجب عليه من الفرائض، وهو بريء من ذلك مسلوب القوة والقدرة والفعل وإلإرادة...ويكشف له عن اللوح المحفوظ...فيشهد بلا شهود يُنْسَبُ إليه، ويعلم بلا علم، ويرى بلا رؤية، ويفعل بلا فعل يضاف إليه(1)....
ويصف تجلي الصفات فيقول: منظر تجلي الصفات:
وهو في هذا التجلي يشهد صفات الحق تعالى النفسية، فكلما ظهرت لك صفة من صفات النفسية، فنيت صفة من صفاتك، إلى أن تفنى عن جميع صفاتك النفسية، فإذا فني وصفك شهدت وصفه، فتعلم حينئذ أن حياتك وعلمك وإرادتك وقدرتك وسمعك وبصرك وكلامك، جميع ذلك منسوب إليه إلى حدِّ ما كان منسوباً إليك بلا صفة لك، بل تكون صفاتك صفات الله، فتتحقق أن لا حياة لك، بل الحياة حياته، وأن لا علم لك بل العلم علمه، وأن لا إرادة لك بل الإرادة إرادته، وأن لا قدرة لك بل القدرة قدرته، وأن لا سمع لك بل السمع سمعه، وأن لا بصر لك بل البصر بصره، وأن لا كلام لك بل الكلام كلامه، وفي هذا المنظر يجيب الله من دعاه بهذه الصفات، فلا يشهد وقوعَها إلا عليه، فأنت بريء من شهود صفاتك لشهودك أنها الله تعالى كشفاً وعياناً، يفتح عليك في هذا المحل معرفة الوجود الساري، ويكون عندك هذا العلم من علوم التوحيد(2)...
(1) المناظر الإلهية، (ص:16).
(2) المناظر الإلهية، (ص:17).