اذهب إلى سيدي علي بن حرزهم(1) وأقدم لنا بالزيت لنقلي به هذا الحوت، فذهبت، فلما بلغت باب الفتوح دخلتني قشعريرة، ثم رعدة كثيرة، ثم جعل لحمي يتنمل كثيراً، فجعلت أمشي وأنا على ذلك، والحال يتزايد إلى أن بلغت إلى قبر سيدي يحيى بن علال نفعنا الله به، وهو في طريق سيدي علي بن حرزهم، فاشتد الحال، وجعل صدري يضطرب اضطراباً عظيماً، حتى كانت ترقوتي تضرب لحيتي! فقلت: هذا هو الموت من غير شك، ثم خرج شيء من ذاتي كأنه بخار الكسكاس(2)، ثم جَعَلَتْ ذاتي تتطاول حتى صارت أطول من كل طويل، ثم جعلت الأشياء تنكشف لي وتظهر كأنها بين يدي! فرأيتُ جميع القرى والمدن والمداشر، ورأيتُ كل ما في هذا البر، ورأيت النصرانية ترضع ولدها وهو في حجرها، ورأيت جميع البحور، ورأيت الأرضين السبع وكل ما فيهن من دواب كالبرق الخاطف الذي يجيء من كل جهة، فجاء ذلك النور من فوقي ومن تحتي وعن يميني وعن شمالي وعن أمامي وخلفي، وأصابني منه برد عظيم حتى ظننت أني مت، فبادرت ورقدت على وجهي لئلا أنظر إلى ذلك النور، فلما رقدت رأيت ذاتي كلها عيوناً؛ العين تبصر، والرأس تبصر، والرجل تبصر، وجميع أعضائي تبصر؛ ونظرت إلى الثياب التي علي، فوجدتها لا تحجب ذلك النظر الذي سرى في الذات، فعلمت أن الرقاد على وجهي والقيام على حد سواء؛ ثم استمر الأمر علي ساعة وانقطع(3).
* الملحوظة: إن كشفه منبثق من المعلومات السائدة في محيطه، ومثل هذا يحدث لمتعاطي المخدرات.
(1) هو شيخ أبي مدين المغربي، والزيت من النذور التي تقدم للمقام.
(2) أكلة مغربية معروفة تسمى في الشرق، باسم (المغربية) أو (المفتول).
(3) الإبريز، (ص:9).