وهذا هو مقام البقاء، أو الفرق الثاني...إلى آخر الأسماء، ولهم في التلميح إليه ووصفه عبارات أدبية يتبارون بالتفنن بها وتنويع أساليبها، مر معنا مئات منها، وفي كتبهم ألوف كثيرة غيرها.
وقد يقرأ القارئ في بعض كتبهم أسماء مثل مقام (قاب قوسين)، أو مقام (أو أدنى)، أو مقام (أنا أنا)، أو غير ذلك، وكلها تعني شدة التحقق بالألوهية مع طول مدتها.
وأكرر التنبيه إلى أن الترتيب المذكور ليس ضرورياً، وقد يختلف عند بعضهم اختلافاً كثيراً، وقد ينعكس في نادرٍ من الأحيان.
وهم يقولون: إن المناظر متنوعة لا تتكرر.
كما يتحدثون عن المريد والمراد.
فالمريد هو الذي يسلك الطريقة الإشراقية من أولها حتى يصل إلى الجذبة.
والمراد هو الذي يُجْذَب دون إرادة منه ودون مجاهدة، أو كما هو الواقع، المصاب بمرض عصبي ممن نراهم في الأسواق من المعتوهين والمخبولين والهائمين على وجوههم في البراري، ومنهم نزلاء مستشفيات المجانين.
ويعنون بالاسم (المراد) أن الله سبحانه أراده فجذبه إليه دون إرادة منه، ويصفون المراد عادة بمثل قولهم: (سائح في حب الله)، ويتبركون به، ويطلبون منه أن يكَبِّسهم، أي يضع يده عليهم لتسيل منه الأسرار عن طريقها وتسري في أجسامهم.
وفي جميع الأحوال، ينتاب المجذوب أحد نوعين من الإحساس:
أ- إما شعور باللذة- وهو الغالب- تختلف شدته من جذبة إلى أخرى، وقد تبلغ في بعض الجذبات- وخاصة في الفناءات في الله- من الشدة بحيث تستغرق كل ذرة من جسمه، وعندما يعود إلى الصحو، يعود حامداً شاكراً، ويذهب إلى صندوق ملابسه ليخرج منه سروالاً يلبسه بدل سرواله الذي امتلأ بالمني.
لكنه إذا كان من المتحققين بمقام الزهد، مسح المبتل من سرواله بالتراب، ومضى إلى حال سبيله.
أما إذا كان متحققاً بمقام التوكل، فيتركه كما هو ولا يلتفت إليه لشدة توكله.