- ومع المثابرة على المجاهدة، يقفز إلى الاندماج في الذات الإلهية كلاً في كل (تعالى الله عما يفترون)، فيرى نفسه أنه هو الله (سبحان الله) بجميع أسمائه وصفاته! وهذا ما يسمونه: (المشاهدة)، أو (الجمع)، أو (الفناء في الاسم الأعظم)؛ الله، الجامع لكل الأسماء والصفات، وعند بعضهم هو (الإحسان)..
وهذه المشاهدات (أو الهلوسات) هي ما يعبرون عنها بمثل قول عمر السهروردي: "ابتُلي بنهضة النفس ووثوبها، أو بمثل قول الغزالي: وبعضهم يدعي أموراً عظيمة في المعرفة بالله عز وجل، أو بمثل قول الجيلاني: هم أبداً في سرادق القرب، فإذا جاءت نوبة الحكم كانوا في صحن الحكم.
ومع استمرار إيحاءات الشيخ وتوجيهاته، وغرس الطموحات الوثابة في نفس الولي، ومع تكرار مشاهدة الاندماج في الله (سبحان الله عما يصفون)، يتعمق الشعور بالألوهية ويترسخ، وقد يدفعه هذا إلى البوح بالسر أثناء صحوه، فيقع في المحذورات التي تجر عليه وعلى طائفته الويل والثبور، لذلك يأخذون بأهون الشرَّين، فإذا فُضِحَ أمره وحَكَم عليه أهل الظاهر (الشريعة) بالكفر، حكموا عليه هم أيضاً بالكفر، وإذا أفتى أهل الظاهر بقتله، أفتوا هم أيضاً بقتله، مع إيمانهم بأنه صديق ولي مقرب، لكن بعض الشر أهون من بعض.
لتخليص الولي من هذا المحذور، ولأن هذا المقام ليس مقام الكمَّل من الرجال والنبيين، لذلك يبدأ شيخه بتدريبه على السيطرة على لسانه وكلماته، ليتحقق بمقام الكمّل الذين يتبعون القاعدة (إياك أن تقول أناه، واحذر أن تكون سواه)، حيث يغدو ولياً كاملاً ومرشداً يحق له إرشاد الناس ودعوتهم، لكنه لا يكون مرشداً كاملاً إلا بمقدار ما يجمع حوله من الأتباع، ولذلك يعتبرون محمداً صلى الله عليه وسلم أكمل الكاملين، لأن أتباعه أكثر الأتباع، وأنه هو الإنسان الكامل الأعلى.