فالانقطاع في الطريق مصيبة كبرى وخسران مبين، وسببه موافقة السالك لشهوات نفسه، وتطلعه للمقامات والكشوفات، وانحرافه عن مقصده الأسمى، فالسالك الصادق المخلص لا يطلب المقامات ولا يقصد المراتب والكرامات، إنما هي منازل يقطعها في طريقه إلى الغاية الكبرى دون انحراف أو التفات.
وكل مقام لا تقم فيه إنه ... ... حجاب فجد السير واستنجد العونا
فلا تلتفت في السير غيراً وكل ما ... ... سوى الله غير فاتخذ ذكره حصنا
ومهما ترى كل المراتب تجتلي ... ... عليك فحُل عنها فعن مثلها حُلنا
وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب ... ... فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنى(1)
من كل ما تقدم، نستطيع أن نقرر مطمئنين، أن المقامات هي عناوين بلا مواضيع،
أو هي تنطعات دعائية، من تنطعات ذي النون المصري، ونرى ما يشبهها في الجينية والهندوكية والبوذية...
ومع ذلك فقد خُدع بها بعضهم وظنها واقعية! حيث نرى بعضهم يريد أن يصحح حاله في التوكل، وآخر في الصبر...إلخ، لكن الشيوخ كانوا ينبهونه إلى غلطه. وعلى كل حال، يجب أن نعرف أن عندهم مقامات حقيقية غير هذه، نعرفها من وصف القوم لأحوالهم ومشاهداتهم، وهي:
1- مقامان هما نتاج الطريقة، أي إن الطريقة (الإشراقية) تؤدي إليهما، وهما:
أ- مقام الاستخدار: يفقد فيه السالك القدرة على المحاكمة الصحيحة، والفهم المميز للأمور والأشياء، ويظهر عليه ما يُشبه الخبال، ويغدو قابلاً للتأثر بالمخدرات المعروفة (الحشيش والأفيون وزمرتهما) بكمية أقل من الكمية التي كان يتأثر بها عندما كان سليماً، وتقل هذه الكمية كلما زاد رسوخ هذا المقام في كيانه، ولذلك كان الاسم (الاستخدار) اسماً مناسباً لهذا المقام.
وفي هذا المقام يفقد السالك أيضاً اهتمامه بأي أمر آخر من أمور الدنيا والآخرة، ولا يبقى في نفسه من شاغل إلا الوصول إلى المقام الثاني (الجذبة).
(1) حقائق عن التصوف، (ص:277، 278)، والأبيات من قصيدة للششتري.