ويقول ابن عجيبة: ...ثم يمده بالعلم الظاهر، ومعناه أنه يذكره بعلم الشريعة وعلم الطريقة، دون علم الحقيقة، حتى إذا تهذب ظاهره وباطنه صلح لعلم الحقائق، ولا بد من الترتيب...وقد قالوا: من قدم الباطن على الظاهر فاته الباطن والظاهر(1). اهـ.
- وهكذا فالسالك لا يعرف حقيقة التصوف، لأنهم لا يخبرونه بها حتى يصبح أهلاً لذلك حسب قواعدهم.
وإنما يلقنونه أولاً علم الشريعة، فما هو علم الشريعة هذا الذي يلقنونه إياه؟ لنسمع الغزالي يشرحه، يقول ابن عجيبة:
...قال الشيخ أبو حامد الغزالي رضي الله عنه: ولقد أردت في بداية أمري سلوك هذا الطريق بكثرة الأوراد والصوم والصلاة، فلما علم الله صدق نيتي، قيض لي ولياً من أوليائه قال لي: يا بني، اقطع من قلبك كل علاقة إلا الله وحده، واخل بنفسك واجمع همتك، وقل: الله الله الله ولا تزد على ما فرض الله عليك شيئاً إلا الرواتب، وقل هذا الاسم بلسانك وقلبك وسرك، وأحضر قلبك واجمع خاطرك، ومهما قالت نفسُك: ما معنى هذا؟ فقل لها: لستُ مطلوباً بمعناه، وإنما قال تعالى: ((وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا)) [المزمل:8](2).
- مِنْ هذا النص (ومن ركامٍ غيره لا نورده اختصاراً) نعرف ما هو علم الشريعة الذي يلقنونه للمريد؟
هذا الوصف الذي يقدمه هنا ابن البنا السرقسطي وابن عجيبة والغزالي، هو ما نراه في كل كتبهم التي تهتم بهذه الناحية.
أما علم الطريقة (الإشراقية) ففي النصوص التي مرت في هذا الكتاب توضيح مبين.
إنهم يعلِّمون المريد، منذ الخطوة الأولى في رحاب الشيخ، أن يقدس الشيخ، وأن يكون عبداً للشيخ أكثر من عبوديته لله.
هذا هو رأس الطريق وأصله منذ أن نزل إبليس إلى الأرض، أو بعد ذلك بقليل، حتى الآن، وإلى ما شاء الله.
(1) الفتوحات الإلهية، (ص:331).
(2) الفتوحات الإلهية، (ص:338).