ويقول: قالوا: وإنما السماع حقيقةٌ ربانية ولطيفةٌ روحانية، تسري من السميع المُسْمع إلى الأسرار بلطائف التحف والأنوار، فتمحق من القلب ما لم يكن، ويبقى فيه ما لم يزل، فهو سماع حق بحق من حق(1).
- وطبعاً، نحن نعرف الآن تماماً ما معنى: (فتمحق ما لم يكن، ويبقى ما لم يزل) و(سماع حق بحق من حق)، وإن وُجد من لا يعرف معناها بعد مئات الأمثلة السابقة فلن يكون هذا ذنبنا.
ويقول: ويختلف الواصلون في وصولهم إلى الله تعالى، كل على حسب مقامه وهمته:
فمنهم من وصل في سيره إلى وحدة الأفعال ذوقاً وشهوداً، ويفنى فعله وفعل غيره، ويتذوق معنى قوله تعالى: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)) [الأنفال:17]، وهذه رتبة في الوصول.
ومنهم من يصل في سيره إلى وحدة الصفات ذوقاً وشهوداً، فيتذوقون معنى قوله تعالى: ((وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)) [الإنسان:30]، ويتذوقون معنى الحديث القدسي: ﴿فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به وبصرَه الذي يبصر به﴾، وهذه رتبة في الوصول. ومنهم من يترقى إلى مقام الفناء في الذات، فيشهد عرضية كل شيء مقابل وجود الحق عز وجل، وتفيض عليه أنوار اليقين ولسان حاله يقول:
وُجودي أن أغيبَ عن الوجود ... ... بما يبدو علي من الشهود
ويتذوق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أصدق كلمة قالها الشاعركلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل(2)}.
- الكلام واضح واضح، ونعرف الآن تماماً ماذا يريدون عندما يوردون قوله سبحانه: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ...)) [الأنفال:17]، وقوله: ((وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)) [الإنسان:30]، فقد مرت كثيراً في الأمثلة السابقة مع شروحها التي قدموها، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: ﴿..كنتُ سمعه..﴾، وقد مر شرحها أيضاً.
(1) حقائق عن التصوف، (ص:209).
(2) حقائق عن التصوف، (ص:280، 281).