...فاعلم أيدك الله وإيانا بروح القدس، وأراك آياته في الأفاق وفي النفس، أن لله أسماء، وأسماء الأسماء، فأما أسماء الأسماء فهي التي يعلمها عموم الناس من الأسماء الرقمية أو اللفظية أو الذهنية، فهي في الحقيقة أسماء للأسماء وليست عين الأسماء، والأسماء الحقيقية هي أعيان العالم وصور حقائق المعاني، إذ من المعلوم أن اسم الله المميت مثلاً ليس المؤثر منه بالموت هذه الحروف التي هي الألف واللام والميمان والياء والتاء، وإنما المؤثر بالموت معنى هذه الحروف الذي هو الحقيقة العزرائيلية، وليس المميت عزرائيل(1) فقط، بل عزرائيل مظهر من مظاهر الاسم المميت وصورة من صوره، ومعلوم أن صُوَرَه لا تتناهى، فكل ما أمات فهو صورة للاسم (المميت)، فصورة الاسم تفنى، وأما جوهر الاسم وعينه فلا تفنى، لأنها عين الوجه الباقي، وكل شيء هالك إلا وجهه. فأسماء الله على الحقيقة أعيان العالم وحقائقه، ومظاهر الأسماء هي صور العالم، فلكل اسم إلهي من الصور ما لا يتناهى، فكل ما أمات، مثلاً، من ثعبان أو سيف أو رصاص أو حجر أو عصا فهو صورة من صور الاسم المميت، ومعنى المميت شأن من شئون الذات الإلهية، وهو عين الذات، ومن هنا يفهم قوله تعالى: ((فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)) [الأنفال:17]، فتارة ينسب الله تعالى الإماتة إلى عزرائيل، فيقول: ((قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)) [السجدة:11]، وتارة إلى الملائكة مطلقاً، فيقول: ((الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ)) [النحل:28]، وتارة إلى البشر، فيقول: ((فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)) [التوبة:5]، وتارة يقول: ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ)) [الزمر:42]، فإذا فهمت ذلك، وعلمت أن المظاهر صور الظاهر، والظاهر حقيقة واحدة، وهو وجود مطلق أحدي
(1) الاسم: عزرائيل لم يرد في قرآن ولا في سنة صحيحة، وقد عبر إلى كتب المسلمين من اليهودية بواسطة المتصوفة.