والفناء إما شفاهي، وإما حجابي، أما الشفاهي فانصباغٌ بحقيقة الذات، لا تجلياته، انصباغاً قوياً تاماً، ويختص برجل شديد، فصوْرة مزاجه لا تنقهر إلا بتكرار التجليات، قوي جذبه لا يغادرحالاً ولا شيئاً إلا غلبه وقهره، ولا يدعه حتى يبلغ الدرجة القصوى.
...وذلك لأنه ربما لم يتحقق الفناء الشفاهي، وحينئذ تظهر النفس في صورة الربوبية، فيعسر زواله، ويعقب خلافه خزياً شديداً في الحياة الدنيا(1).اهـ.
- قوله: فصورة مزاجه، أي: فصورة مزاج الفناء...
- وقوله: ...فيعسر زواله، أي: يعسر زوال ظهور صورة الربوبية، فيبقى الولي يقول عن نفسه: أنا الحق....
- وقوله: ويعقب خلافه خزياً شديداً...، نعلم ما هو هذا الخزي؟ إنه التكفير...والقتل.
ويقول: وأما الخاص، فكل فناء في حضرة الذات، كان مع الصورة المزاجية...وأصل مذهبهم أن يتجشموا عملاً نيرنجياً، وذلك العمل أن يتلطفوا من أنفسهم، فينقدح لهم سر عظيم الشأن، على درجاته.
فأول ما ينقدح استناد الأفعال إلى الله سبحانه، فهناك يتوكل على الله ولا يخاف إلا إياه، وهذا ظَهْرُ السر في الدرجة الأولى، وأما بطنها، فأن يُرى اللهُ سبحانه في عين كل فعل على أن الفعل من أستاره وتقيداته. ووجه أوليتها أن الأفعال على شرف العدم في نفس الأمر، وإنما الموطن العلمي من تمثلات هذا الموطن، وهذه هي (المحاضرة) عندهم.
وثانياً: ينقدح لهم استناد الصفات بأجمعها إليه، فيرى أن كل بصره فهو من بصره، وكل سمع فهو من سمعه، إلى غير ذلك؟ ولعلك حرور باقتناص بطنها ووجه ثانويتها، فهذه هي المكاشفة.
(1) الخير الكثير، (ص:106).