...والحاصل أن عظمة الربوبية ظهرت في مظاهر العبودية، فمن نظر للعظمة صرفاً تحقق بعظمة الربوبية، ومن نظر بظاهر المظهر تحقق بأوصاف العبودية، والكامل ينظر لهما معاً، فيتحقق بعظمة الربوبية في الباطن، ويتحقق بأوصاف العبودية في الظاهر، فيُعطي كل ذي حق حقه. فالتجمع في باطنه مشهود، والفرق في ظاهره موجود(1)...ويقول: ...اعلم رحمك الله ووفقك للتسليم لأوليائه، أن الحرية إذا تحققت في الباطن، لا بد من رشحات تظهر على الظاهر، فكل إناء بالذي فيه يرشح...ولذلك نجد أهل الباطن رضي الله عنهم، جلهم أقوياء في الظاهر، فربما تصدر منهم مقالات تستخرجها القدرة منهم، فيظن الجاهل بحالهم أن ذلك دعوى وظهور! وليس كذلك. وإنما ذلك رشحات من قوة الباطن لا قدرة لهم على إمساكها، منها ما يكون تحدثاً بالنعم، ومنها ما يكون نصحاً للعباد ليعرفوا حالهم فينتفعوا بهم في طريق الإرشاد، ومن هذا الأمر رفضهم كثير من أهل الظاهر المتعمقون في العبادة أو المتجمدون على ظاهر الشريعة(2)...
- يوضح ابن عجيبة في هذا النص سبب تصريح العارفين بمعارفهم وطبعاً، صار القارئ الآن يعرف معنى عبارة (الحرية)، فهي ضد العبودية، وتحققها في الباطن يعني استشعار السالك أنه ليس عبداً بل هو الله.
ويقول: ...وقال في لطائف المنن: وأشبه شيء بوجود الكائنات إذا نظرت إليها بعين البصيرة وجود الظلال...ومن هاهنا تبين لك أن الحجاب ليس أمراً وجودياً بينك وبين الله تعالى، ولو كان بينك وبينه حجاب وجودي للزم أن يكون أقرب إليك منه! ولا شيء أقرب من الله، فرجعت حقيقة الحجاب إلى توهم الحجاب(3)...
ويقول (معلقاً على قول ابن البنا السرقسطي):
حتى إذا جاء بطور القلب ... ... خوطب إذ ذاك بكل خطب
فقيل لو عرفتني بكوني ... ... قيل إذن فاخلع نعال الكون
(1) إيقاظ الهمم (ص:184).
(2) إيقاظ الهمم (ص:186).
(3) إيقاظ الهمم، (ص:201).