ويقول: واعلم أن سر الخصوصية الذي جعله الله في بواطن أوليائه، وستره بظهور وصف بشريتهم، قد يظهره عليهم على وجه خرق العادة، فقد يظهر على وليه من قدرته وعلمه وسائر كمالاته ما تحار فيه العقول، وتذهل فيه الأذهان، لكن لا يدوم ذلك لهم، بل يكون على سبيل الكرامات وخرق العادات، يشرق عليهم شموس أوصافه، فيتصفون بصفاته، ثم يقبض ذلك عنهم فيردهم إلى حدودهم، فنور الخصوصية، وهي المعرفة، ثابت لا يزول، ساكن لا يحول؛ وسرها، وهو كمالاته تعالى، تارة يشرق على أفق بشريتهم فيستنير بأوصاف الربوبية، وتارة ينقبض عنهم فيردون إلى حدودهم وشهود عبوديتهم، فالمعرفة ثابتة، والواردات مختلفة، والله تعالى أعلم(1).
ويقول: ...وقال سيدي علي رضي الله عنه، على قول الشيخ أبي الحسن الشاذلي في شأن الخلق: أراهم كالهباء في الهواء، إن فتشتهم لم تجدهم شيئاً، قال: بل إن فتشتهم وجدتهم شيئاً، وذلك الشيء ليس كمثله شيء يعني: وجدتهم مظاهر من مظاهر الحق، أنواراً من أنوار الملكوت فائضة من بحر الجبروت(2).
- نرى في هذا النص أن عبارات عارفيهم ليست دائماً موافقة لما يريدون، فقد يُخْطِئون ويُخَطِّئون.
ويقول ابن عجيبة أيضاً:
...والتحقيق ما قدمناه من أن التعلق بأوصاف الربوبية يكون في الباطن، والتحقق بأوصاف العبودية يكون في الظاهر، فالحرية في الباطن على الدوام، والعبودية في الظاهرعلى الدوام، فحرية الباطن هي شهود أوصاف الربوبية، وهو معنى التعلق بها؛ لكن إن كان مجاهدةً فهو تعلق، وإن كان طبيعة وغريزة فهو تحقق.
(1) إيقاظ الهمم، (ص:157).
(2) إيقاظ الهمم، (ص:166).