ونعرف الآن أن العقيدة الصوفية هي أن الأكوان ليست شيئاً غير الله سبحانه وتعالى، إذن فحقائقها هي أنها تعينات إلهية، أو هي الله جل وعلا، التي تناديه: ((إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ)) [البقرة:102]، والنداء هنا مجازي طبعاً، ويجعل الشيخ الفتنة مشيرة إلى استشعار الألوهية حيث يبهت الواصل ويقول: (أنا الله، سبحاني...) إلخ، فيحكمون عليه بالكفر.
والجديد في هذا النص هو فهمهم للآية: ((ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ....)) [الفجر:28] ((فَادْخُلِي فِي عِبَادِي...)) [الفجر:29] أوردها مشيراً بها إلى مقام البقاء الذي يستشعر فيه العارف أنه الله (جل الله وعلا)، ويشاهد بنفس الوقت العبودية، وجملة: ((فَادْخُلِي فِي عِبَادِي)) [الفجر:29] يجعلونها مشيرة إلى رؤية العبودية (أو الفرق)، والجمع مع الفرق هو مقام البقاء.
- ويقول ابن عجيبة(1) شارحاً قول ابن عطاء الله السكندري: الحق ليس بمحجوب عنك، إنما أنت المحجوب عن النظر إليه، إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، وكل حاصر لشيء فهو قاهر له، وهو القاهر فوق عباده، يقول: ...قلت: الحق تعالى محال في حقه الحجاب.. فلا يحجبه شيء، لأنه ظهر بكل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، فلا ظاهر معه، ولا موجود في الحقيقة سواه، فهو ليس بمحجوب عنك، وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه، لاعتقادك الغيرية، وتعلق قلبك بالأمور الحسية، فلو تعلق قلبك بطلب المولى، وأعرضت بالكلية عن رؤية السوى، لنظرت إلى نور الحق ساطعاً في مظاهر الأكوان، وصارماً كان محجوباً عنك بالوهم في حق الشهود والعيان، ولله در القائل:
لقد تجلى ما كان مخبى ... ... والكون كله طويت طي
مني علي دارت كئوسي ... ... من بعد موتي تراني حي
(1) أحمد بن عجيبة الدوريس الشاذلي الفاسي، توفي سنة (1224هـ).