تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما المقام الثاني، وهو البقاء، فهو الرجوع بعد الفناء إلى ثبوت الآثار، بشهود ذات وصفات المؤثر فيها، ويقال لصاحبه: غريق في عين بحر الوحدة، فمُشاهد الأحدية مشاهد للذات دون الأسماء والصفات وآثارها، وهو الفاني، ومشاهد الوحدة مشاهد للذات متصفة بالأسماء والصفات، مثبتاً للآثار، جامعاً بين الحق والخلق، وهذا هو الكمال بعينه، فلذلك قالوا: لا بد لكل فناء من بقاء، ومقام البقاء هذا، هو المسمى بـ (الجمع والفرق)، فجمعه شهوده لربه، وفرقه شهوده لصنعه، وأما جمع الجمع فهو مقام أعلى من البقاء وهو أن يأخذه الحق بعد بقائه، فيسكره في شهود ذاته تعالى، فيصير مستهلكاً بالكلية عما سوى الله تعالى، فمنهم من يبقى بهذه السكرة إلى الموت، كالسيد البدوي رضي الله عنه، ولذلك قال العارفون: إنه جُذب جذبة استغرقته إلى الأبد، ومنهم من يرد إلى الصحو عند أوقات الفرائض والقيام بأمور الخلق، كالسيد الدسوقي وأضرابه، والمؤلف أي الشيخ الدردير رضي الله عنهم، فيكون رجوعاً لله بالله لا للعبد بالعبد، هذا الرجوع يسمى (الفرق الثاني)؟ وأما (الوصل) فهو تلذذ القلب بشهود الحق بعد زوال الحجب الظلمانية والنورانية، فإن دام له الشهود يقال له: (وصل الوصل)، أي الوصل الكامل، كقولهم: (سر السر وعين العين) مبالغة في كمال الشيء(1)...

ويقول الشيخ الدردير:

...فإذا أدركته العناية الإلهية، واستند إلى شيخه بالكلية، ولازم المجاهدة حتى تمكن من الصفات المحمودة، وانقطع عنه عِرْق الرياء، وصارت نفسه ذليلة، واستوى عنده المدح والذم، ودخلت (أي: نفسه) في مقام الفناء، ورضيت بكل ما يقع في الكون من غير اعتراض أصلاً، سميت راضية...

(1) الأسرار الربانية والفيوضات الرحمانية، (ص 125، وما بعدها).

الكشف عن حقيقة الصوفية · الصفحة ١٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الكشف عن حقيقة الصوفيةص ١٨٧