والشرك الخفي، هو خفاء شيء، من ذلك على العبد، وهو فيه بسبب استيلاء الغفلة على قلبه، فترى الغافل عن معرفة نفسه جازماً أنه مشارك لله تعالى في الوجود، وفي جميع الصفات التي منها السمع والبصر والعلم والحياة والقدرة والإرادة وغير ذلك، وفي جميع الأسماء التي منها الحليم والكريم واللطيف والعليم إلى آخره، وفي جميع الأفعال كالإيجاد للعبادات والإعدام للمخالفات ونحو ذلك، وفي جميع الأحكام كالجزم بالحرام والحلال على الأمور الداخلة بانفرادها وتشخصها تحت أحكام القرآن والسنة؟ ومع ذلك هو غافل عما هو فيه، غير منتبه لأمره، قاطع بأنه موجود آخر مع الله تعالى، موصوف بأوصافٍ، مسمى بأسامي، له فعال وأحكام تصدر منه(1)....اهـ.
* تبيين:
قوله: إن الشرك الجلي هو:..اعتقاد أنه.. مع الله تعالى غيره موصوفاً بصفة مثل صفاته...يعني: من صفات الله، مثلاً أنه يسمع ويرى، والإنسان كذلك يسمع ويرى، فمن اعتقد أن الإنسان هو غير الله، فقد جعل لله شريكاً في السمع والرؤية، وهكذا بقية الأسماء والصفات، ومنها الوجود، ويجعل هذا شركاً جلياً.
ويجعل من الشرك الخفي أن يكون هذا الاعتقاد بسبب الغفلة.
ويجعل من الشرك الخفي مثلاً، أن يظن إنسان -بسبب الغفلة- أنه مشارك لله في الوجود، فمن ظن أن الإنسان هو غير الله، فقد جعل لله شريكاً في الوجود.. وكذلك من اعتقد أن الأوثان التي تعبد هي غير الله فقد جعل لله شريكاً غيره يعبد.
ويقول عبد الغني النابلسي أيضاً شارحاً لقول الشيخ أرسلان: فكلما أخلصت يكشف لك أنه هو لا أنت: فكلما أخلصت، أي: في خروجك عنك بأن خرجت عن هذا الخروج أيضاً...يكشف لك - بالبناء للمفعول- أي يكشف الله تعالى لك، بأن يظهر فيك وتجده في نفسك المعدومة، وهذا الانكشاف ليس كانكشاف الأشياء المغطاة...
قال أحد العارفين:
(1) شرح رسالة الشيخ أرسلان، (ص:75، 76).