...وإذا قال هؤلاء الصوفية بنفسهم بأن ذات الحق سبحانه وتعالى لا يُحكم عليها بحكم؟ يكون الحكم عليها بالإحاطة والسريان مخالفاً لهذا القول، والحق أن ذاته تعالى ليس كمثله شيء، لا سبيل لحكم من الأحكام إليها أصلاً، بل في ذلك الموطن الحيرةُ الصرفة والجهالة المحضة، فكيف يتطرق السريان والإحاطة إليها؟ ويمكن الاعتذارمن جانب الصوفية القائلين بهذه الأحكام بأن مرادهم بالذات هو التعين الأول، فإنهم لما لم يقولوا بزيادة ذلك التعيين على المتعين، قالوا لذلك التعين عين الذات، وذلك التعين الأول المعبر عنه بالواحدية سارٍ في جميع الممكنات(1)...
- لتسهيل التحليل، يعني بالإحاطة قولهم: الله محيط بكل شيء، أو بالممكنات، ويشيرون بها إلى وحدة الوجود، وبالسريان قولهم: الله سار في كل الممكنات، أو الأشياء، ويعنون بها وحدة الوجود أيضاً. وطبعاً القول بالإحاطة هو حكم، وكذلك القول بالسريان هو حكم أيضاً، لذلك لا يقولون بها، لأن ذات الحق لا يحكم عليها بحكم. ويعنون بكلمة (المتعين) الجزء من الله (جل الله وعلا)، الذي تشكل أو تعين بالمخلوقات، ويقرر المجدد أنهم لم يقولوا بزيادة التعين (أي: الخلق) على المتعين. فهو هو. والمتعين الأول هو محمد صلى الله عليه وسلم.
وطبعاً، هذا أسلوب جديد يقدمه المجدد لتقرير وحدة الوجود بأسلوب موهم فيه شيء من التعقيد، أرجو من القارئ أن يحلله بهدوء ليزداد تمرساً باللغة الصوفية، وليتأكد أن العقيدة عندهم التلاعب بالألفاظ.
ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي(2) في شرح رسالة الشيخ أرسلان:
واعلم أن الشرك الجلي هو أن يظهر للعبد أو لغيره منه اعتقاد أن مع الله تعالى رباً آخر يستحق العبادة من الخلق، أو مع الله تعالى غيره موصوفاً بصفة مثل صفاته تعالى، أوله فعل كأفعاله تعالى، أو اسم كأسمائه، أوحكم كأحكامه.
(1) المنتخبات من المكتوبات، (ص:10).
(2) دمشقي، توفي في دمشق سنة (1143هـ).