قد كان ما كان مما لا أفوه به ... ... فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر
فاستضاءت الآفاق الجسدانية بضوء الشريعة، وظهرت المشكاة النفسانية بلوامع الطريقة، وتنورت الزجاجة القلبية بأنوارحقيقة الروحانية، وأشرق الصباح الروحية بنار نور الألوهية، وبدت شجرة الوحدانية، ونودي موسى السر: ((أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) [القصص:30]، فانمحت الجهات، وتلاشت الصور، وانطمس الأبعاض، وانعدمت الأجزاء، وسطعت عزة الوحدانية بتجلي نور الصمدانية الربانية، فتدكدك جبل الإنسانية الروحانية صعقاً، فاحترقت الغيرية بنار الغيرة، وارتفعت الشركة وبقيت الوحدة، متعززاً برداء الكبرياء والعزة، متزراً بإزار العلاء والعظمة، وحده لا شريك له، ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) [القصص:88]، هذا أوان ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)) [الأنفال:17]، وهذا وقت ((وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى)) [النجم:3] وهو سر ﴿كنت له سمعاً وبصراً ولساناً، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق﴾، ولعمري إن هذا الحال من كوشف بأسرار ﴿كنت كنزاً مخفياً﴾ فلما كشف الغطاء، وذهب الجفاء، ودام اللقاء فـ ((مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)) [النجم:11]، وللقلب ما زوى، فرعى في رياض المعرفة...إذ تجافى عن المحاط المطلق المحاط به غيب الغيب المحيط المطلق، فتحقق له: ((أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ)) [فصلت:54].
أبان الحق ليس به خفاء ... ... وباح السر وانكشف الغطاء
فنفسي زائل والروح نادت ... ... فلم يبق التكبر والصفاء
بقاء الحق أفنانا فأفنى ... ... بقاء فنائنا، ذاك البقاء
تجلت سطوة الجبروت حتى ... ... فنينا ثم إذ فني الفناء
هذا مقام المعرفة بمشاهدة الحقيقة(1)...
* ملحوظات:
(1) الكبريت الأحمر والإكسير الأكبر، من مجموعة (إيضاح أسرار علوم المقربين)، (ص:76، وما بعدها).