وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب ... ... ولا صورة تجلى ولا طرفة تجنى(1)
قال الجنيد: أدركتُ سبعين عارفاً كلهم يعبدون الله على ظن ووهم، حتى أخي أبا يزيد منهم لو أدرك صبياً من صبياننا لأسلم على يديه. قال سيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه في قوله: يعبدون الله على ظن ووهم. وإنما ذلك أنهم ظنوا أنه من المقامات ما لا يصلح أن يكون فوقه مقام، وليس كذلك، فلو أنهم تحققوا لعلموا أن فوق ذلك المقام مقاماً، إلى ما لا نهاية.
قوله لأسلم على يديه أي: لأنقاد له؟ والإسلام الانقياد، فليكن المريد عالي الهمة والنية حتى لا يكون له التفات إلى غير الله، وتكون النية إلى هذا المقام بإرشاد الشيخ العارف الرداد:
ولو كان لي ما كان في الكون كله ... ... وكانت لي الأكوان بالأمر ساجدة
لما نظرت عيني إليها وما رأت ... ... إذا لم تكن ذاتي لذاتك واحدة
ولسيدي الحبيب الوالد شيخ بن عبد الله العيدروس في المعنى:
لا ترتضِ بالاسم دون مسمه ... ... إن كنت يا ندمان صباً عاشقاً
واعكف على حب الحبيب وذكره ... ... في جمع جمع الجمع لا تتفرقا
وإذا نأى لك قرنه من دونه ... ... لا ترضها وارحل ولا تتعوقا
فهناك نادتك الحقائق لا تقف ... ... فأمامك المطلوب دُم متشوقاً(2)
وقال عبد الله بن أبي بكر العيدروس(3):
...فمن فني عن أفعال نفسه فهو باقٍ بأفعال الله، ومن فني عن صفاته فهو باقٍ بصفات الله تعالى، ومن فني عن ذاته فهو باقٍ بذات الله تعالى، كما قال بعضهم:
وقوم تاهوا في أرض بقفر ... ... وقوم تاهوا في ميدان حبه
فأفنوا ثم افنوا ثم أفنوا ... ... وأبقوا بالبقاء بقرب ربه
(1) الأبيات من قصيدة للششتري.
(2) غاية القرب من مجموعة إيضاح أسرار علوم المقربين، (ص:85).
(3) إمام أئمة الأولياء العارفين، مؤسس الطريقة العيدروسية، من مدينة (تريم) في حضرموت، مات فيها سنة (865هـ).