فإن الِإله المطلق لا يسعه شيء، لأنه عين الأشياء وعين نفسه، والشيء لا يقال فيه: يسع نفسه ولا لايسعها، فافهم(1).
ويقول: ...((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) [ق:16]، وما خص إنساناً من إنسان، فالقرب الِإلهي من العبد لا خفاء به في الِإخبار الِإلهي، فلا قربَ أقربُ من أن تكون هوّيته (أي: هوية الله) عينَ أعضاء العبد وقواه، وليس العبد سوى هذه الأعضاء والقوى، فهو حقّ مشهود في خلقٍ متوهم، فالخلق معقول، والحق محسوس مشهود عند المؤمنين وأهل الكشف والوجود، وما عدا هاذين الصنفين، فالحق عندهم معقول والخلق مشهود(2)...
في هذا النص يفسر لنا الشيخ الأكبر معنى كلمة (القرب) عند الصوفية، وهذا يجعلنا نفهم بوضوح كل العبارات السابقة واللاحقة، والتي تمر معنا، والتي فيها كلمة (القرب) ونستطيع من هذا النص فهم كلمة (الوجود) الاصطلاحية.
ويقول: ...فمن عَرَف أن الحق عينُ الطريق، عَرَف الأمر على ما هو عليه، فإن فيه -جل وعلا- تسلُكُ وتسافر، إذ لا معلوم إلا هو، وهو عينُ الوجود، والسالكُ والمسافر(3)...
ويقول الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر أيضاً:
...وبالِإخبار الصحيح أنه عين الأشياء، والأشياء محدودة وإن اختلفت حدودها، فهو محدودٌ بحدِّ كل محدود، فما يُحَدُّ شيء إلا وهو حد الحق، فهو الساري في مسمَّى المخلوقات والمبدعات، ولو لم يكن الأمر كذلك ما صح الوجود، فهو عينُ الوجود، فهو على كل شيء حفيظ بذاته، ولايؤوده حفظ شيء، فحفظهُ تعالى للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشيء غير صورته، ولا يصح إِلا هذا، فهو الشاهد من الشاهد، والمشهود من المشهود، فالعالم صورته، وهو روح العالم المدبِّر له، فهو الِإنسان الكبير.
فهو الكون كله ... ... وهو الواحد الذي
(1) الفصوص (فص حكمة فردية في كلمة محمدية)، (ص:226).
(2) الفصوص (فص حكمة أحدية في كلمة هودية)، (ص:108).
(3) الفصوص، (ص:109).