...وينسى باستيلاء ذكر ربه عليه جميع الِإحساس، فيقال: انْدَرجَ في رؤية مذكوره، ويقال: فني عن نفسه، ويقال: فني بربه، ويقال: فني عن فنائه أي غفل عن ذكر غفلته عن نفسه باستيلاء ذكر ربه عليه، وصار ليس يشهد غيره، وهاهنا يكون مصطلماً عن مَشَاهِدِه، مختطَفاً عن نفسه، ممحوّاً عن جملته، فانياً عن كله، وما دام هذا الوصف باقياً فلا تمييز ولا إِخلاص ولا صدق، وهذا جمع الجمع، وعين الوجود، وهذا هو الوصول الذي يرد على أحوال التمييز والتكليف(1)...
- أقول: هذه عبارات أخرى مرموزة وملغزة تشير إلى وحدة الوجود، وتساعد على التمرس بلغة الصوفية.
ويقول الشيخ مطر الباذرائي(2):
...ولذة الأرواح الشربُ بكأس المحبة من أيدي عرائس الفتح اللدني، في خلوة الوصل، على بساط المشاهدة والهيام، بين عالَم الكون، في نور العزة وقراءة ما كُتب على صفحات ألواح نسمات ذرات الوجود، بقلم التوحيد (كلا بل هو الله العزيز الحكيم)(3) اهـ. (أي: إن ذرات الوجود هي الله العزيز الحكيم).
ويقول محيي الدين بن عربي (الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر):
...فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عينَ كل شيء(4).
ويقول: ...والعارف المكمَّل من رأى كلّ معبود مجلى للحق يُعبد فيه، ولذلك سموه كلهم إلهاً مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك(5)...
ويقول: ...ولا يُشهَد، ولا تدركه الأبصار، بل هو يدرك الأبصار، للطفه وسريانه في أعيان الأشياء(6).
ويقول (الشيخ الأكبر نفسه):
(1) طبقات الشعراني: (1/146)..
(2) من أجل مشايخ العراق وسادات العارفين، من الأكراد، سكن (باذراء) قرية من أعمال النجف، وبها مات، ولم أقف على تاريخ وفاته، ولعله في الربع الأخير من القرن السادس الهجري.
(3) طبقات الشعراني: (1/148).
(4) فصوص الحكم (فص حكمة إمامية في كلمة هاوونية)، (ص:192).
(5) الفصوص، (ص:195).
(6) الفصوص، (ص:196).