أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ } [ فاطر : 23 ] أي ليس الإضلال والهدى بيدك ما أنت إلا نذير : أي وقد بلغت .
التفسير الثاني : هو أن المراد بالموتى الذين ماتوا بالفعل ، ولكن المراد بالسماع المنفي في قوله : ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ﴾ خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به ، وأن هذا مثل ضرب للكفار ، والكفار يسمعون الصوت ، لكن لا يسمعون سماع قبول بفقه واتباع كما قال تعالى : ﴿ وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً ﴾ [ البقرة : 171 ] ، فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع أنواع السماع كما لم ينف ذلك عن الكفار ، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به ، وأما سماع آخر فلا ، وهذا التفسير الثاني جزم به واقتصر عليه العلامة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله ، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله في هذا المبحث .
وهذا التفسير الأخير دلت عليه آيات من كتاب الله جاء فيها التصريح بالبكم والصمم والعمى مسنداً إلى قوم يتكلمون ويسمعون ويبصرون ، والمراد بصممهم صممهم عن سماع ما ينفعهم ، دون غيره ، فهم يسمعون غيره ، وكذلك في البصر والكلام ، وذلك كقوله تعالى في المنافقين : ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ [ البقرة : 18 ] فقد قال فيهم صم بكم مع شدة فصاحتهم ، وحلاوة ألسنتهم كما صرح به في قوله تعالى فيهم : ﴿ يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ [ المنافقون : 4 ] أي لفصاحتهم وقوله تعالى : ﴿ فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ [ الأحزاب : 19 ] فهؤلاء الذين إن يقولوا تسمع لقولهم وإذا ذهب الخوف سلقوا المسلمين بألسنة حداد هم الذين قال الله فيهم م يسمعون غيره ويبصرونه ، وينطقون به كما قال تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ [ الأحقاف : 26 ] الآية ، وهذا واضح كما ترى .
ثم قال :