" اعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أن الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم ، وأن قول عائشة رضي الله عنها ومن تبعها : إنهم لا يسمعون استدلالاً بقوله تعالى : وما جاء بمعناها من الآيات غلط منها رضي الله عنها ، وممن تبعها .
وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبني على مقدمتين .
الأولى منهما : أن سماع الموتى ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث متعددة ، ثبوتاً لا مطعن فيه . ولم يذكر - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك خاص بإنسان ولا بوقت .
والمقدمة الثانية : هي أن النصوص الصحيحة عنه - صلى الله عليه وسلم - في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها ، وتأويل عائشة رضي الله عنها بعض الآيات ، على معنى يخالف الأحاديث المذكورة ، لا يجب الرجوع إليه . لأن غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه ، فلا ترد النصوص الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بتأويل بعض الصحابة بعض الآيات ، وسنوضح هنا إن شاء الله صحة المقدمتين المذكورتين ، وإذا ثبت بذلك أن سماع الموتى ثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - من غير معارض صريح . علم بذلك رجحان ما ذكرنا ، أن الدليل يقتضي رجحانه .
وبعد استفاضته بذكر الأدلة عن المقدمة الأولى قال :
"وإذا رأيت هذه الأدلة الصحيحة الدالة على سماع الموتى ، فاعلم أن الآيات القرآنية كقوله تعالى : ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ﴾ [ النمل : 80 ] وقوله : ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القبور ﴾ [ فاطر : 22 ] لا تخالفها . وقد أوضحنا الصحيح من أوجه تفسيرها وذكرنا دلالة القرائن القرآنية عليه ، وأن استقراء القرآن يدل عليه .
وممن جزم بأن الآيات المذكورة لا تنافي الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا أبو العباس ابن تيمية رحمه الله
" ....والنص الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدم على تأويل من أصحابه وغيره ، وليس في القرآن ما ينفي ذلك . فإن قوله تعالى : ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ﴾ إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه ، فإن هذا مثل ضربه الله للكفار ، والكافر تسمع