وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَضَّ يَوْماً عَلَى الصَّدَقَةِ وَرَغَّبَ فِيهَا،فَتَطَوَّعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَتَصَدَّقَ بِأَرْبَعَةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ،فَقَالُوا هَذَا مُرَاءٍ.وَجَاءَ أَنْصَارِيٌّ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ،فَقَالُوا:إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا .
وَسَخِرَ المُنَافِقُونَ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ الذِينَ اجْتَهَدُوا فِي التَّصَدُّقِ قَدْرَ طَاقَتِهِمْ،فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً:إِنَّهُ جَازَاهُمْ بِمِثْلِ ذَنْبِهِمْ،فَجَعَلَهُمْ سُخْرِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ،وَلِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ،بِفَضِيحَتِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِبَيَانِ مَخَازِيهِمْ وَعُيُوبٍِهِمْ،وَادَّخَرَ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً يَوْمَ القِيَامَةِ
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ لَيْسُوا أَهْلاً لِلاسْتِغْفَارِ،وَأَنَّهُ لَوِ اسْتَغْفَرَ لَهُم النَّبِيُّ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ،وَذَلِكَ لإِصْرَارِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَجُحُودِهِمْ بِوَاحْدَانِيًّةِ اللهِ،وَوَحْيهِ لِرَسُولِهِ،وَلِشَكِّهِمْ فِي أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى،وَغَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .
وَيُرْوَى أَنَّهُ حِينَ مَرِضَ رَئِيسُ المُنَافِقِينَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ،انْطَلَقَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِي يُحْتَضَرُ فَأُحِبُّ أَنْ تَشْهَدَهُ وَتُصَلِّي عَلَيْهِ.فَانْطَلَقَ مَعَهُ حَتَّى شَهِدَهُ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ،وَصَلَّى عَلَيْهِ،فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَقَالَ إِنَّ اللهَ قَالَ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ولأَسْتَغْفِرَنَّ لَهُمْ سَبْعِينَ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِينَ .
ذَمَّ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ،وَفَرِحُوا بِقُعُودِهِمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ،وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَهُ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ،وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ،إِغْرَاءً لَهُمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى المُنْكَرِ،وَتَثْبِيطاً لِعَزَائِمِ الْمُؤْمِنِينَ:لاَ تَخْرُجُوا إِلَى الجِهَادِ فِي الحَرِّ.فَأَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ:إِنَّ نَارَ جَهَنَّمَ الَّتِي سَيَصِيرُونَ إِلَيْهَا،هِيَ أَشَدُّ حَرّاً مِنْ قَيْظِ الصَّحْرَاءِ الذِي فَرُّوا مِنْهُ.وَلَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُدْرِكُونَ وَيَعْقِلُونَ لَمَا خَالَفُوا وَقَعَدُوا،وَلَمَا فَرِحُوا بِقُعُودِهِمْ .
ثُمَّ تَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ عَلَى فِعَالِهِمْ السَّيِّئَةِ،فَقَالَ لِنَبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - :لِيَضْحَكُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيا الفَانِيَةِ قَلِيلاً،لأَنَّ الدُّنْيَا نَفْسَهَا شَيْءٌ قَلِيلٌ،فَإِذَا انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا،وَصَارُوا إِلَى اللهِ،عَزَّ وَجَلَّ،اسْتَأْنَفُوا بُكَاءً لاَ يَنْقَطِعُ أَبَداً بِسَبَبِ مَا اكْتَسَبُوهُ مِنْ كُفْرٍ وَآثَامٍ،وَعَلَى مَا فَوَّتُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ فُرَصِ اكْتِسَابِ الحَسَنَاتِ،وَعَمَلِ مَا يُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ .