تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشاء الله الذى بيده الأمر كله أن يجد المسلمون من الرومان لحظة غفلة،فوجد خالد بن الوليد وجندُه أن هذه فرصة سانحة لاقتحام المدينة الرائعة دمشق،فالهدوء يسود الأسوار،وصوت الحراسة ليس واضحا ككل ليلة،فصعد المسلمون أسوار المدينة،حتى فتحوا الباب الشرقى منها،فدخلها خالد ومن معه عَنْوة وقهرا بعد جهد حربى عظيم..

ووجد خالد وجنوده فرق جيش المسلمين الأخرى قد دخلت المدينة من جهاتها المختلفة بعد أن سلمت لهم حامياتُها،فعقد صلح دمشق.

وكان الفتح فى شهر رجب من سنة أربع عشرة من الهجرة،أى بعد بسنة كاملة وأكثر قليلا.

تعلموا من رسولهم أن يُغلِّبوا الرحمة على القسوة،ويقدِّموا العفو على العقوبة،وألا يُخيَّروا بين أمرين إلا اختاروا أيسرهما وأرفقهما ما لم يكن إثما،وقد رأى فريق من الصحابة الذين شَرُفت دمشق بالفتح على أيديهم أنها فتحت بالقوة والقهر،ورأى فريق آخر منهم أنها فتحت صلحا،ولو دققوا لوجدوا أن المصالحين من الروم لم يطلبوا الصلح إلا حين قهرهم خالد بن الوليد واقتحم عليهم المدينة من بابها الشرقى .. لكن صحابة رسول الله اتفقوا فيما بينهم على أن يجعلوا نصف دمشق صلحا ونصفها فتحا بالقوة،فملك أهلها نصف ما كان بأيديهم،وأخذ المسلمون النصف الآخر.

كما أخذ منهم المسلمون الجزية دينارا فى السنة على كل رأس،وأخذوا خراج الأرض جريبا من الكيل عن كل جريب من الأرض.. وأما ما كان لأمراء الروم ومَنْ حارب معهم فقد أخذه المسلمون فَيْئًا.

وكتب خالد بن الوليد لأهل دمشق كتابا بهذا الصلح،وشهد عليه قادة المسلمين وأمراء جيوشهم.

لقد تحقق بفتح دمشق الهدفُ الذى خُصِّص له جيش يزيد بن أبى سفيان،لذا تركه أبو عبيدة هناك يكمل فتح مدن الشاطئ الدمشقى،فراح جيش يزيد وعلى مقدمته أخوه معاوية يجول على الشاطئ،حتى فتح الله عليه صَيْدا وصُور وطرابُلس وبيْروت فتحا يسيرا،كما تسقط الثمرة الناضجة بسهولة فى يد جانيها،وجلا كثير من أهل هذه المدن عنها،آملين أن يعودوا إليها منتصرين فى صحبة إخوانهم فى الدين من الرومان..

وفى نفس هذه الفترة قام معاوية بن أبى سفيان بفتح عَرْقَةَ فى ولاية أخيه يزيد ليكتمل فتح مدن الشاطئ القريبة من دمشق.

تحرك توذرا بخيله نحو دمشق،ونفسُه تحدثه بإعادة مجد الروم فى الشام،وردِّ هؤلاء القوم الذين عكَّروا على الروم صفوَ انتصاراتهم على الفرس،مع أنهم لم يكن أحد يحسب لهم أى حساب،وحدثته نفسه بأن القوم إما مشغولون فى حمص بقتال شُنش وجنْده الكثيف الذى يصعب هزيمته،وإما نيام فى دمشق الجميلة بين زروعها وأنهارها.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥٤١